كشفت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن استمرار التحولات الديموغرافية التي يشهدها المغرب، بعدما تراجع معدل الخصوبة على المستوى الوطني إلى 1.97 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن عتبة تجديد الأجيال المحددة في 2.10 طفل لكل امرأة.
ولا يعكس هذا المؤشر انخفاض عدد المواليد فقط، بل يكشف عن تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة مست أنماط العيش داخل المجتمع المغربي، حيث باتت عوامل مثل ارتفاع مستوى التعليم، وتوسع التمدن، وتأخر سن الزواج، وغلاء المعيشة، تلعب دورا حاسما في قرارات الأسر المتعلقة بالإنجاب.
تفاوت جهوي في معدلات الخصوبة
وأظهرت معطيات الإحصاء وجود تفاوت واضح بين جهات المملكة، إذ لا تزال أربع جهات فقط تسجل معدلات خصوبة تفوق عتبة تجديد الأجيال، ويتعلق الأمر بجهة درعة تافيلالت التي جاءت في الصدارة بمعدل 2.35 طفل لكل امرأة، تليها جهة الداخلة وادي الذهب بـ2.25، ثم العيون الساقية الحمراء بـ2.17، ومراكش آسفي بـ2.13.
في المقابل، سجلت باقي الجهات معدلات تقل عن المستوى اللازم لتعويض الأجيال، حيث بلغ المعدل بجهة فاس مكناس 2.02، وطنجة تطوان الحسيمة 2.01، وبني ملال خنيفرة 1.95، والرباط سلا القنيطرة 1.91، والدار البيضاء سطات 1.90، وكلميم واد نون 1.89، وسوس ماسة 1.86، فيما حلت جهة الشرق في المرتبة الأخيرة بمعدل 1.73 طفل لكل امرأة.
المدن تقود تراجع الخصوبة
ويرى مختصون في علم السكان أن هذا الانخفاض لا يرتبط فقط بالأوضاع الاقتصادية، بل يعد نتيجة لمسار طويل من التحولات الاجتماعية والثقافية. ففي المدن الكبرى، أصبح الشباب يؤخرون الزواج إلى سن متقدمة بسبب استكمال الدراسة أو البحث عن الاستقرار المهني، كما أن ارتفاع تكاليف السكن وتربية الأطفال والتعليم والرعاية الصحية دفع العديد من الأسر إلى الاكتفاء بطفل أو طفلين.
كما ساهم ارتفاع مستوى تعليم النساء وتزايد مشاركتهن في سوق الشغل في ترسيخ نموذج الأسرة الصغيرة، الذي أصبح أكثر انتشارا مقارنة بما كان سائدا خلال العقود الماضية.
في المقابل، لا تزال بعض الجهات الأقل تحضرا تحافظ على معدلات خصوبة أعلى، نتيجة استمرار أنماط اجتماعية مختلفة، إلى جانب تفاوت الظروف الاقتصادية والديموغرافية بين مختلف مناطق المملكة.
تحديات وفرص للمستقبل
ويعد تراجع الخصوبة جزءا من مسار الانتقال الديموغرافي الذي عرفته العديد من الدول مع تحسن مؤشرات الصحة والتعليم وارتفاع نسبة التمدن. غير أن استمرار هذا المنحى قد يفرض تحديات مستقبلية، أبرزها ارتفاع نسبة المسنين، وتراجع عدد السكان في سن النشاط، وما قد يرافق ذلك من ضغوط متزايدة على أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، يؤكد خبراء أن هذه التحولات يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا واكبتها سياسات عمومية فعالة، تقوم على الاستثمار في التعليم، ورفع إنتاجية الموارد البشرية، وتحسين ظروف العيش، ودعم الأسر الراغبة في الإنجاب، بما يضمن تحقيق التوازن بين التحولات الديموغرافية ومتطلبات التنمية المستدامة.
وتعكس خريطة الخصوبة لسنة 2024 أن المغرب لا يشهد فقط انخفاضا في معدلات الإنجاب، بل يعيش تحولا مجتمعيا شاملا، ينتقل فيه تدريجيا من نموذج الأسرة الكبيرة إلى الأسرة الصغيرة، في مسار من شأنه أن يعيد تشكيل البنية السكانية والاجتماعية للمملكة خلال العقود المقبلة.

التعليقات مغلقة.