أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

السميك بين الغلاء وتحديات العيش

بدر شاشا

يمثل الحد الأدنى القانوني للأجر في المغرب، والمعروف شعبياً بـ “السميك”، العتبة المرجعية الحامية لكرامة وفئات واسعة من الشغيلة الطبقة العاملة في القطاع الخاص والمقاولات والخدمات؛ إلا أن هذا الرقم، الذي وُضع تاريخياً ليكون صمام أمان ضد الفقر، تحول في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة وموجات التضخم غير المسبوقة إلى مجرد أداة رقمية عاجزة عن مواكبة أبسط متطلبات الحياة الكريمة. إن العامل أو المستخدم الذي يتقاضى هذا الأجر يجد نفسه محاصراً داخل معادلة معيشية مستحيلة الحل، تتجاذبها مطرقة الارتفاع الصاروخي لواجبات الكراء وسعر السكن، وسندان الغلاء اللاهب للمواد الاستهلاكية اليومية، مما يحول دورة حياته إلى دوامة من العمل الشاق والمستمر، لكنه عمل يفتقر لروح الأمل أو القدرة على التخطيط للمستقبل، ليصبح الأجير بمثابة ترز عجلات الإنتاج دون أن يناله من ثمارها سوى البقاء على قيد الحياة.
تتجلى أولى العواقب الخانقة لـ “السميك” في الصدام المباشر والمؤلم مع سوق العقار وكراء البيوت والشقق، وخاصة في الحواضر والمدن الكبرى التي تتركز فيها فرص الشغل؛ فبفعل المضاربات العقارية وجشع الملاك وتفضيل الكراء الفردي للعزاب على حساب الأسر، زحفت الارتفاعات الخيالية للسومة الكرائية لتجتاح حتى الأحياء الشعبية والهوامش. وفي هذا السياق، يصبح من شبه المستحيل على عامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور أن يعثر على سكن مستقر يصون حرمة عائلته دون أن يضطر لدفع نصف راتبه أو أكثر كواجب شهري للكراء، وهو ما يتركه أمام سيولة مالية مهترئة ومثيرة للشفقة لمواجهة باقي مصاريف الحياة؛ هذا الاختلال البنيوي يفرض على الأسر الشابة العيش في غرف ضيقة مشتركة أو التكدس في تجمعات سكنية تفتقر لشروط الإضاءة والتهوية والصحة، مما يحول الحق الدستوري في السكن اللائق إلى حلم بعيد المنال وسراب يطاردونه دون جدوى.
ولا يتوقف الاستنزاف المادي عند عتبة باب السكن، بل يمتد ليشمل المعيش اليومي وقفة التسوق التي أصبحت تثير الرعب في نفوس الشغيلة بفعل الارتفاع المطرد واليومي لأسعار المواد الغذائية الأساسية، والخضروات، واللحوم، والمحروقات، وفواتير الماء والكهرباء؛ فالراتب المتبقي بعد اقتطاع مصاريف الكراء يتبخر في الأيام القليلة الأولى من الشهر أمام متطلبات التغذية البسيطة، ناهيك عن التكاليف الحتمية لتعليم الأطفال وتنقلات العمل ومواجهة الأمراض الطارئة في ظل منظومة صحية عمومية متهالكة تفرض اللجوء مجبرين للصيدليات والمصحات الخاصة. هذا الوضع يدفع بالأجير إلى العيش تحت رحمة “سيكولوجية الاستدانة” الدائمة والاقتراض من الأقارب أو اللجوء إلى “كريديت” الدكان المحلي لترقيع الشهور، مما يفرغ مفهوم الأجر من محتواه التمكيني ويحوله إلى مجرد مسكن مؤقت لا يحمي من الفقر بقدر ما يؤجل الإعلان الرسمي عنه.
تنعكس هذه الدوامة المادية الرهيبة على البنية النفسية والمعنوية للشغيلة لتوجه ضربة قاضية لفكرة “الأمل المهني والاجتماعي”؛ فالشاب أو الأب الذي يقضي زهاء ثماني ساعات أو أكثر يومياً في حركات ميكانيكية مجهدة داخل المصانع أو وراء مكاتب شركات الخدمات والمناولة، يدرك مع مرور السنوات أن جهده وعرقه لا يترجمان إلى أي تحسن ملموس في مسار حياته، فلا هو قادر على ادخار مبلغ مالي للطوارئ، ولا هو قادر على تملك سكن شخصي يخرجه من ربقة الكراء، ولا هو قادر على تأمين مستقبل تعليمي أفضل لأبنائه. هذا الانسداد التام في آفاق الترقي الاجتماعي يولد شعوراً مزمناً بالاغتراب والعبودية الحديثة، حيث يصبح العمل مجرد وسيلة للبقاء البيولوجي وتفادي الجوع، دون أي شغف أو طموح للتطور، وهو ما يُفقد الفرد ثقته في قيم الكد والاجتهاد وينمي لديه الرغبة الجارفة في الانعزال أو الهروب نحو القطاع غير المهيكل أو ركوب قوارب الهجرة بحثاً عن كرامة مفقودة.
إن الخروج من هذه المعضلة الاجتماعية المقلقة يتطلب مراجعة جذرية وعميقة لسياسة الأجور وعلاقتها بالقدرة الشرائية، عبر تبني مقاربة شمولية تتجاوز الزيادات الطفيفة والمعزولة في “السميك” والتي يمتصها التضخم فوراً قبل صدورها في الجريدة الرسمية؛ ويمر الحل حتماً عبر “ربط الحد الأدنى للأجور بمؤشر غلاء المعيشة” بشكل ديناميكي وتلقائي، مع توفير دعم حكومي مباشر وموجه للأسر ذات الدخل المحدود في مجالات السكن عبر إحداث شقق معدة للكراء المدعم، وضبط أسعار المواد الأساسية، وتحسين جودة المدرسة العمومية والمستشفى العام لتخفيف العبء المالي عن كاهل الأجراء. كما يتوجب على المقاولات والشركات تبني روح المواطنة الاقتصادية عبر تقليص الفوارق الصارخة بين الأجور العليا والدنيا داخل المؤسسة الواحدة، والإيمان بأن الاستثمار في كرامة واستقرار العامل هو الضامن الوحيد لرفع الإنتاجية، وتحصين السلم الاجتماعي، وبناء مغرب متضامن يؤمن فيه الجميع بأن العمل مدخل حقيقي للأمل والارتقاء الإنساني.

التعليقات مغلقة.