تشهد إيران وإسرائيل والولايات المتحدة منعطفاً عسكرياً خطيراً ينذر بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، بعد أن خرج الصراع من دائرة العمليات غير المباشرة إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية.
قراءة في الوقائع والأحداث والنتائج
اندلعت الشرارة المباشرة في 28 فبراير 2026 عبر ضربات جوية منسقة استهدفت العمق الإيراني، طالت منشآت نووية وبنية عسكرية حساسة ومراكز قيادة. هذا التحول لم يكن مجرد عملية تكتيكية محدودة، بل إعلاناً ضمنياً عن انتقال الصراع إلى مرحلة كسر العظم، حيث باتت الأهداف ذات طبيعة استراتيجية تمس بنية النظام الدفاعي الإيراني ومفاصل قراره السيادي.
الرد الإيراني جاء سريعاً ومتعدد الأبعاد. فبدلاً من الاكتفاء برد موضعي، اعتمدت طهران استراتيجية “توسيع مسرح العمليات”، مستهدفة قواعد أمريكية في الخليج والعراق، ومطلقة موجات صاروخية نحو العمق الإسرائيلي. كما دخل حزب الله على خط المواجهة بشكل مباشر، ما حول الجنوب اللبناني إلى ساحة اشتباك مفتوحة، ودفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها البرية لمنع تثبيت معادلة ردع جديدة على حدودها الشمالية.
سياسياً، حملت التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دلالات تصعيدية واضحة، إذ ربط استمرار العمليات بهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع توجيه رسائل مباشرة للشعب الإيراني بشأن تغيير النظام. هذه اللغة السياسية تضع الصراع في إطار يتجاوز الردع العسكري إلى محاولة إعادة صياغة التوازن الداخلي في إيران، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
اقتصادياً، كان التأثير فورياً. تهديد الملاحة في مضيق هرمز أعاد إلى الواجهة هواجس أمن الطاقة العالمي، ورفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية خلال ساعات. كما أدى إغلاق المجالات الجوية في عدد من الدول إلى شلل في حركة الطيران والتجارة، ما يعكس هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي اضطراب واسع في هذه المنطقة الحيوية.
أما على مستوى الخسائر، فقد كشفت الأرقام الأولية عن حجم الكلفة الإنسانية والعسكرية: قتلى وجرحى في إيران وإسرائيل ولبنان، نزوح داخلي واسع، واستهداف متبادل للبنى التحتية العسكرية. هذه المؤشرات توحي بأننا أمام حرب استنزاف قد تطول، خصوصاً في ظل غياب مبادرة دبلوماسية جدية قادرة على احتواء الانفجار.
النتيجة الأبرز حتى الآن أن معادلة “الردع المتبادل غير المعلن” سقطت عملياً، لتحل محلها مواجهة مباشرة ذات أبعاد إقليمية مفتوحة. وإذا استمر التصعيد بالوتيرة الحالية، فإن المنطقة مرشحة لدخول مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، مع ما يرافق ذلك من كلفة بشرية واقتصادية باهظة.
الوقائع تؤكد أن الشرق الأوسط يقف على حافة تحول تاريخي، وأن أي خطأ في الحسابات قد يوسع دائرة النار إلى ما هو أبعد من أطراف الصراع المباشرين، في لحظة دولية تتسم أصلاً بالاضطراب وعدم اليقين.

التعليقات مغلقة.