كشف تحقيق نشره موقع أفريكا أنتلجانس أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) عززت توجهها نحو أسواق إفريقيا جنوب الصحراء، في وقت تتجه فيه أوروبا إلى تشديد المعايير التنظيمية الخاصة بنسبة معدن الكادميوم في الأسمدة الفوسفاتية، ما يضع المجموعة أمام تحديات متشابكة تتعلق بالصحة العامة، والتنافسية التجارية، والتوازنات الجيوسياسية.
وبحسب التحقيق، الذي أنجزه الصحفي المغربي يوسف آيت أقديم، فإن الاتحاد الأوروبي وفرنسا يمضيان نحو خفض الحدود القصوى المسموح بها لمحتوى الكادميوم في الأسمدة الفوسفاتية. ومن المرتقب أن ينخفض الحد الأقصى تدريجياً من 90 مليغراماً لكل كيلوغرام من خامس أكسيد الفوسفور إلى 40 مليغراماً ابتداءً من عام 2027، ثم إلى 20 مليغراماً بحلول عام 2030، فيما تدرس المفوضية الأوروبية تشديد المعايير الحالية المحددة عند 60 مليغراماً.
في المقابل، تؤكد مجموعة OCP أنها أصبحت، منذ عام 2025، قادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بأسمدة منخفضة الكادميوم، بعد استثمارات في تقنيات إزالة هذا المعدن من منتجاتها، بما يضمن الامتثال للمتطلبات البيئية والصحية الأوروبية.
ويرى التحقيق أن غياب معايير تنظيمية مماثلة في عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وعدم إلزامية الإفصاح عن مستويات الكادميوم في الأسمدة، يمثل عاملاً مساعداً على توسع المجموعة داخل القارة، التي أصبحت تمثل نحو 18 في المائة من إجمالي مبيعاتها.
وتراهن المجموعة على إفريقيا باعتبارها السوق الرئيسية لنموها خلال السنوات المقبلة، ضمن خطة تستهدف رفع إنتاج الأسمدة من 12 مليون طن إلى 20 مليون طن بين عامي 2023 و2027، مستفيدة من شبكة تضم مكاتب في نحو عشرين دولة، إضافة إلى برامج لدعم المزارعين وتحليل التربة، ومشاريع لإقامة مصانع للأسمدة في بلدان من بينها نيجيريا وإثيوبيا.
ويشير التقرير إلى أن هذا التوسع يستند أيضاً إلى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي نسجها المغرب مع عدد من الدول الإفريقية، في ظل غياب معايير قارية موحدة بشأن الكادميوم، وهو ما يمنح المجموعة مرونة أكبر في التسويق مقارنة بالأسواق الأوروبية التي تتجه نحو مزيد من التشدد.
وفي السياق ذاته، لفت التحقيق إلى أن المجموعة لم تنشر بيانات بشأن مستويات الكادميوم في الأسمدة الموجهة للأسواق الإفريقية، خلافاً لما تفرضه التشريعات الأوروبية بالنسبة للمنتجات المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن الشركة لم تقدم رداً على استفسارات المجلة بهذا الخصوص.
ويرى التحقيق أن تشديد القيود الأوروبية يأتي في مرحلة تعتمد فيها فرنسا والاتحاد الأوروبي بشكل متزايد على الفوسفاط المغربي بعد تراجع الإمدادات الروسية، ما يضع اعتبارات الصحة العامة في مواجهة متطلبات الأمن الغذائي واستقرار سلاسل التوريد. كما يحذر من أن تشديد المعايير قد يقلص عدد الموردين المؤهلين، ويزيد في الوقت نفسه من الاعتماد على الفوسفاط المغربي، بفضل استثمارات OCP في إزالة الكادميوم.
وعلى المستوى المالي، أوضح التحقيق أن الأرباح الصافية للمجموعة تراجعت خلال سنة 2025 بنسبة 13 في المائة، رغم ارتفاع رقم معاملاتها، مرجعاً ذلك أساساً إلى ارتفاع العبء الضريبي. كما سلط الضوء على توسع استثمارات المجموعة في قطاعات السياحة والعقار والتعليم والصحة والطاقة، معتبراً أن هذا التنويع يثير نقاشاً داخل المغرب بشأن أولويات المؤسسة ودورها الاقتصادي.
كما تواجه المجموعة تحديات إضافية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على سلاسل التوريد، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الكبريت والأمونيا، فضلاً عن المنافسة مع شركة “فوس أغرو” الروسية، التي تستفيد من خام فوسفاتي منخفض الكادميوم بطبيعته، وهو ما يزيد من حدة المنافسة في الأسواق العالمية.
ويعد الكادميوم من المعادن الثقيلة الموجودة طبيعياً داخل الصخور الفوسفاتية، ولا يضاف أثناء عمليات تصنيع الأسمدة، وإنما تختلف نسبته حسب طبيعة الرواسب الجيولوجية. وتصنفه الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية ضمن المواد المسرطنة للإنسان عند التعرض له بمستويات مرتفعة أو لفترات طويلة، نظراً لإمكانية تراكمه في التربة الزراعية وانتقاله إلى بعض المحاصيل الغذائية مع الاستخدام المتكرر للأسمدة الفوسفاتية.
وتشير الدراسات العلمية إلى أن التعرض المزمن للكادميوم قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض الكلى، وضعف كثافة العظام، وبعض أنواع السرطان، فيما يظل حجم المخاطر مرتبطاً بعوامل متعددة، من بينها تركيز المعدن في السماد، وطبيعة التربة، ونوعية المحاصيل، ومدة التعرض.
ولا توجد نسبة موحدة للكادميوم في الفوسفاط المغربي، إذ تختلف باختلاف المناجم والطبقات الجيولوجية. وتشير الدراسات إلى أن الفوسفاط المغربي يصنف ضمن الفوسفاطات ذات المحتوى المتوسط إلى المرتفع مقارنة ببعض الرواسب العالمية، غير أن مجموعة OCP استثمرت خلال السنوات الأخيرة في وحدات صناعية لإزالة الكادميوم، ما مكنها من إنتاج أسمدة تحتوي على أقل من 20 مليغراماً من الكادميوم لكل كيلوغرام من خامس أكسيد الفوسفور لتلبية المعايير الأوروبية، بينما تخضع المنتجات الموجهة إلى أسواق أخرى للضوابط التنظيمية المعتمدة في الدول المستوردة.
ويختتم التحقيق بالإشارة إلى استمرار الجدل بين المؤسسات الصحية ومنتجي الفوسفاط بشأن الحدود المناسبة لنسب الكادميوم في الأسمدة، إذ تؤكد الجهات الصحية أن خفض هذه النسب يحد من تراكم المعدن في السلسلة الغذائية على المدى البعيد، في حين يرى المنتجون أن تقييم المخاطر ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أيضاً العوامل الزراعية والبيئية، وليس نسبة الكادميوم وحدها.

التعليقات مغلقة.