ألقت مديرة الوثائق الملكية، بهيجة سيمو، يوم الثلاثاء بدار المغرب بباريس، محاضرة بعنوان “مسارات الاستقلال”، بحضور عدد كبير من الطلبة وأفراد الجالية المغربية.
في محاضرتها، استعرضت سيمو الدور المحوري للملك محمد الخامس في الكفاح من أجل الاستقلال، متتبعة أبرز المحطات التاريخية والسياسية التي شكّلت هذا المسار. بدءاً من مقاومته الظهير البربري، مروراً بمواقفه خلال الحرب العالمية الثانية، ووصولاً إلى مؤتمر آنفا وخطاب طنجة، ثم مرحلة المنفى وثورة الملك والشعب التي أفضت إلى عودته وإعلان استقلال المغرب سنة 1956.
كما تطرقت إلى المرحلة التالية للاستقلال، التي مهدت لاسترجاع الأقاليم الجنوبية تدريجياً. وقد تجسدت البوادر الأولى لهذا المسار في زيارة الملك محمد الخامس لمحاميد الغزلان وخطابه التاريخي بها، والتي أعقبها استرجاع طرفاية عام 1958، ثم مدينة سيدي إفني سنة 1969.
سلطت المؤرخة الضوء على ملحمة المسيرة الخضراء التي أبدعها جلالة المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني، مبرزة أبعادها التاريخية والقانونية المبنية على نظام البيعة. وأوضحت أن هذه الملحمة لم تكن حدثاً عابراً، بل امتداداً لمسار طويل يمتد لقرون، تشهد عليه الوثائق – مغربية كانت أم أجنبية – وتؤكد على ممارسة السيادة المغربية في الأقاليم الصحراوية وعلى الروابط الروحية والاجتماعية التي جمعت القبائل الصحراوية بباقي القبائل المغربية.
ففي 6 نوفمبر 1975، انطلقت المسيرة الخضراء كزحف سلمي أطلقه الملك الحسن الثاني لتحرير الصحراء الغربية من الاستعمار الإسباني، شارك فيه 350 ألف مغربي ومغربية، متسلحين بالأعلام والمصاحف، في مشهد نادر أذهل العالم .
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث احتفالي، بل كانت تتويجاً لحرب دبلوماسية مكثفة. ففي 16 أكتوبر 1975، أي في نفس اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية رأيها، أعلن الملك الحسن الثاني من مراكش عن تنظيم المسيرة، قائلاً في خطابه: “لم يبق شعبي العزيز إلا شيء واحد، إننا علينا أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرق المغرب إلى غربه” .
اليوم، وبعد خمسة عقود، تتواصل ملحمة المسيرة الخضراء بصيغ دبلوماسية، حيث شكّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 نقطة تحول رئيسية في نزاع الصحراء الغربية، بمصادقته على الاقتراح الذي تقدمت به واشنطن والمتمثل في تأييد المشروع المغربي بمنح أقاليم الصحراء حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية .
الاعتراف الدولي: حصاد نصف قرن من الصبر الاستراتيجي
يأتي هذا الاعتراف الأممي تتويجاً لخمسين سنة من الدبلوماسية المتزنة، التي وازن فيها المغرب بين الوسائل الدبلوماسية لتعزيز سيادته على أقاليمه الجنوبية، والوسائل العسكرية للدفاع عن حدوده .
فقد شكّل قرار مجلس الأمن انتصاراً للصبر الاستراتيجي للدبلوماسية المغربية، حيث ظل المغرب طوال هذه الفترة الطويلة يعمل بإصرار على تكييف واستيعاب مختلف التحديات والصعوبات . وهذا القرار لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة مسار طويل من الدبلوماسية المتزنة والمقاربة الواقعية التي انتهجها المغرب، مستنداً إلى وضوح الموقف، واستمرارية المؤسسات، ومصداقية مقترح الحكم الذاتي .
تكشف الوثائق التاريخية أن الروابط بين العرش المغربي والقبائل الصحراوية ضاربة في عمق التاريخ. فمنذ الدول المرابطية والمرينية وصولاً إلى الدولة العلوية الشريفة، ظلت الصحراء جزءاً لا يتجزأ من الجغرافيا السياسية والروحية للمغرب .
وتشكل القبائل الصحراوية امتداداً طبيعياً للنسيج الاجتماعي المغربي، حيث تضم مجموعات قبلية كبرى مثل الشرفاء الركيبات وقبائل تكنة وعرب المعقل، التي كانت تقدم بيعة السلاطين المغاربة وتقر بسلطتهم الدينية والسياسية . وقد شكلت هذه الروابط الدليل التاريخي القاطع على سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، حيث حُفظت وثائق البيعة الأصلية في الأرشيف الملكي .
في أعقاب القرار الأممي التاريخي، وجه الملك محمد السادس رسالة إلى الشعب المغربي، وهو خطاب النصر الذي قدمه بمقياس “لا غالب ولا مغلوب”، موجهاً الرسالة الأولى إلى سكان المخيمات باعتبارهم مغاربة للعودة إلى الوطن والمشاركة في البناء والتنمية، والرسالة الثانية إلى الجزائر للجلوس حول طاولة الحوار وطي صفحة الماضي من أجل بناء الاتحاد المغاربي .
كما أشار المحلل السياسي حميد جماهري إلى أن القرار الأممي الأخير قد حسم عقدة الملف والمتعلقة بالسيادة المغربية على الصحراء، مما يفتح الباب للانتقال إلى “أخوة الجغرافيا” وإحياء المشروع المغاربي .
ها هي الملحمة تتواصل، من زحف المصاحف عام 1975 إلى اعتراف الأمم المتحدة عام 2025، من مسيرة الشعب إلى مسيرة الدبلوماسية، في استمرارية تاريخية تثبت أن قضية الصحراء المغربية ظلت وستظل الركيزة الأساسية في الهوية الوطنية والسياسة الخارجية للمملكة، كما جاء في محاضرة بهيجة سيمو التي اختتمت بها احتفالات دار المغرب بباريس بهذه الذكرى التاريخية.

التعليقات مغلقة.