وفقاً للقرار الأممي الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025، لم يعد النقاش حول ما إذا كان الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل للقضية، بل تحول إلى كيفية تنفيذ هذا الحل. فالقرار رقم 2797 يشكل محطة تاريخية في مسار النزاع، حيث انتقلت المقاربة الأممية من اللغة الحيادية إلى اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للتفاوض، في تحول دلالي يعبر عن ميل متزايد داخل المجلس نحو قراءة براغماتية للحل .
لطالما دار النقاش الأممي لعقود حول خيارات متعددة، أبرزها الاستفتاء الذي فشلت بعثة “المينورسو” في تنفيذه منذ عام 1991 . إلا أن القرار 2797 يمثل نقلة نوعية، إذ يكرس للمرة الأولى تجاوزاً كاملاً لمنطق الاستفتاء، مع اعتماد مقاربة جديدة تعتبر أن تقرير المصير يمكن أن يتحقق ضمن السيادة الوطنية من خلال نموذج متقدم للحكم الذاتي .
تحول في المعجم السياسي: بعد سنوات من الإشارة إلى المبادرة المغربية بوصفها “جدية وذات مصداقية”، انتقل المجلس إلى اعتبارها “أساساً للتفاوض” . هذه الصياغة تحمل وزناً قانونياً وسياسياً أعمق، إذ تدخل المبادرة إلى متن العملية التفاوضية بدلاً من تركها على هوامشها.
تجاوز ضمني للاستفتاء: على الرغم من أن القرار احتفظ بالإشارة إلى مبدأ “تقرير المصير” كجزء من الحل، فإنه لم يذكر خيار الاستفتاء أو الاستقلال بشكل صريح، كما كانت تفعل القرارات الأولى . هذا الانزياح اللغوي يعكس إجماعاً أممياً متزايداً على أن الاستفتاء لم يعد خياراً واقعياً.
إطار جديد للمفاوضات: أوضح ستيفان دي مستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام، أن القرار “يوفر إطار عمل للمفاوضات ولا ينص على نتيجة” . وهذا يعني أن المفاوضات القادمة ستدور حول تطوير وتفصيل خطة الحكم الذاتي المغربية لعام 2007، وليس حول مناقشة خيارات بديلة مثل الاستقلال.
كشفت المسيرة الدبلوماسية للقرار عن مناورات خلف الكواليس، حيث حاولت الجزائر، الداعم الرئيسي لجبهة “البوليساريو”، التأثير على الصياغة النهائية في محاولة لإعادة تعريف أطراف النزاع.
محاولة ليّ ذراع النص: حاولت الدبلوماسية الجزائرية خلف الكواليس تغيير الترجمة العربية للعبارة ” (الطرفان)، بهدف حصر النزاع في المغرب والبوليساريو فقط ومحو مسؤوليتها المباشرة كطرف فيه . وهذا ما أدى إلى تأخير غير مسبوق في نشر النسخة العربية الرسمية للقرار.
استراتيجية “الكرسي الفارغ”: في مواجهة الضغوط الأميركية ، اختارت الجزائر ألا تشارك في التصويت على القرار، في خطوة تفسر على أنها رغبة في عدم مواجهة الواشنطن مباشرة . وقد بررت الجزائر موقفها بأن النص “لا يعكس بدقة بما يكفي العقيدة الأممية في مجال تصفية الاستعمار” .
الجزائر أمام مسؤولياتها: على عكس ما سعت إليه، أعاد القرار التأكيد على مسؤولية جميع الأطراف، بما فيها الجزائر، في دفع العملية السياسية نحو حل عادل ودائم . مما يضعها أمام خيارين صعبين: إما الانخراط في عملية تفاوضية تقوم على أساس ترفضه، أو المخاطرة بعزلة دبلوماسية متزايدة.
يعكس توزيع أصوات التصويت على القرار تحولاً في موازين القوى داخل مجلس الأمن، ويقدم دليلاً على الشرعية الدولية المتزايدة للمقترح المغربي.
حظي القرار بدعم 11 دولة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، مما يؤشر على انحياز غربي واضح نحو التسوية تحت السيادة المغربية .
حياد إيجابي من القوى الكبرى: امتناع كل من روسيا والصين عن التصويت، وليس معارضتهما، يعتبر نجاحاً دبلوماسياً للمغرب. ويعكس هذا الموقف رغبة هذه الدول في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الحلف الغربي حول هذه القضية، مع الحفاظ على شراكاتها الإستراتيجية في المنطقة .
يمنح هذا الدعم الدولي المغرب شرعية قانونية وسياسية مضاعفة، حيث لم يعد يتعامل معه مجلس الأمن بوصفه “قوة محتلة”، بل كدولة ذات سيادة تمارس حقها المشروع في صون وحدتها الترابية .
يضع القرار 2797 الأسس لمرحلة جديدة، حيث أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيقوم “بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي” وتقديمها إلى الأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض . كما طلب القرار من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية خلال ستة أشهر بشأن ولاية بعثة “المينورسو” المستقبلية , مما قد يفتح الباب أمام تطوير مهام البعثة لتتناسب مع المرحلة الجديدة القائمة على التفاوض حول الحكم الذاتي.
باختصار، لم يعد القرار 2797 مجرد نقطة تحول في الملف، بل هو إعلان لبداية هندسة جديدة للمشهد السياسي والقانوني لقضية الصحراء، تقوم على الاعتراف بالسيادة المغربية كإطار وحيد للحل، وتكريس الحكم الذاتي كخيار واقعي وحيد للمستقبل.

التعليقات مغلقة.