أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بن يحيى تعيد ملف العمل المنزلي الغير المأجور

جريدة اصوات

أعادت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، السيدة نعيمة بن يحيى، وبقوة، ملف العمل المنزلي غير المأجور إلى واجهة النقاش العام الوطني، ولكن بلغة مختلفة هذه المرة: لغة الأرقام والمعادلات الاقتصادية. بعيداً عن الخطابات العاطفية، جاء الطرح الوزاري مدعوماً ببيانات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، في محاولة لتقدير القيمة المالية “للجبل الجليدي” الخفي الذي يدعم الاقتصاد المغربي.

خلال يوم دراسي نظم بمجلس النواب بشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، كشفت الوزيرة عن أرقامٍ تعيد رسم فهمنا لمساهمة النساء في الثروة الوطنية. فوفقاً للبيانات، تتراوح القيمة النقدية للعمل المنزلي غير المأجور (كالطهي والتنظيف والرعاية) ما بين 285 و513 مليار درهم سنوياً. هذا الرقم الفلكي يعادل نحو 34.5% إلى 50% من الناتج الداخلي الخام للمملكة، إذا ما تم تقييمه على أساس الحد الأدنى للأجور أو متوسط الأجر الوطني.

“نتحدث عن قيمة مضافة غير مرئية تنتجها النساء يومياً، ويؤدي تجاهلها إلى ثغرة كبيرة في السياسات العمومية”، هكذا علقت الوزيرة بن يحيى، مشددة على أن هذا الطرح الاقتصادي، المدعوم أيضاً من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي، يهدف إلى تصحيح اختلال هيكلي عميق.

الاختلال الذي تشير إليه تؤكده الأرقام الصادمة التي كشف عنها تقرير “المرأة المغربية في أرقام 2025”. التقرير يظهر أن النساء المغربيات يقضين وسطياً 4 ساعات و46 دقيقة يومياً في أداء المهام المنزلية، في حين لا يتجاوز الوقت الذي يخصصه الرجال لهذه المهام 27 دقيقة فقط في اليوم. وهذا يعني، بحساب بسيط، أن النساء يتحملن ما يقارب 92% من العبء الكلي للعمل المنزلي غير المأجور.

هذه المبادرة الوزارية تضع المؤسسات التشريعية والتنفيذية أمام مسؤولية جديدة: الاعتراف بواقع “العمل الخفي” الذي يحافظ على استقرار الأسر والمجتمع ككل، دون أن يحظى بأي اعتراف قانوني أو مادي مقابل الجهد والوقت المستثمر. الطرح يفتح الباب أمام مقاربة براغماتية تربط بشكل مباشر بين العدالة الاجتماعية داخل الأسرة ومؤشرات التنمية الاقتصادية الشاملة.

بهذه الخطوة، لا تقتصر الوزارة على تسليط الضوء على قضية اجتماعية تقليدية، بل تعيد صياغة مفهوم المساهمة الاقتصادية ذاتها. فهي تقترح اعتبار الساعات التي تقضيها ربة المنزل في الرعاية والتدبير مساهمة فعلية في الناتج القومي، مما يستدعي إعادة النظر في آليات الحماية الاجتماعية والتقاعد والتأمين الصحـي، وكيفية توسيعها ليشمل هذا النشاط “غير الرسمي” الذي ظل لسنوات طويلة خارج حسابات الاقتصاد الرسمي.

يبدو أن الوزارة تختبر طريقاً جديداً لإقناع مختلف الأطراف بأهمية إقرار سياسات أكثر إنصافاً، من خلال الربط المباشر بين جبران هذا الخلل وتحقيق قفزة في مؤشرات التنمية. السؤال الذي تطرحه هذه المقاربة الآن: هل ستكون لغة المليارات والدراهم أكثر إقناعاً لصناع القرار وأصحاب الرأي من الخطابات الحقوقية وحدها؟ وكيف يمكن ترجمة هذا الاعتراف النظري إلى سياسات ملموسة تعوض جزءاً من هذه القيمة وتعزز مبدأ المشاركة العادلة في الأعباء المنزلية؟

الجواب ينتظره ملايين النساء المغربيات اللواتي تنتجهن الوطن كل يوم، خارج سجلات التوظيف ودون ظهور في تقارير الناتج المحلي، لكنهن في قلب صميم استمراره وتماسكه.

التعليقات مغلقة.