في خطوة تحمل دلالات سياسية وعسكرية عميقة، شرعت روسيا، الثلاثاء، في سحب قواتها ومعداتها الثقيلة من مطار القامشلي في شمال شرق سوريا، منهية بذلك فصلاً من حضورها العسكري الذي استمر منذ أواخر عام 2019، حين حوّلت المطار إلى قاعدة متقدمة في قلب منطقة ذات غالبية كردية بمحافظة الحسكة.
ووفق معطيات ميدانية ومصادر عسكرية محلية، جرى نقل المعدات والسلاح الثقيل جوًا من مطار القامشلي نحو قاعدة حميميم في محافظة اللاذقية، التي تُعد القاعدة الجوية الرئيسية لموسكو في سوريا. وقد عاين مراسلون صحافيون المطار خاليًا من الأعلام الروسية والطائرات العسكرية والمدرعات وأجهزة الرادار، بعدما كانت حاضرة داخله قبل يوم واحد فقط، في مؤشر واضح على انسحاب شبه كامل.
إعادة تموضع روسية في سياق متغير
يأتي هذا التحرك في سياق تحولات متسارعة تشهدها الساحة السورية، خاصة بعد إطاحة نظام بشار الأسد، واعتماد السلطات الانتقالية الجديدة برئاسة أحمد الشرع خطابًا تصالحيًا تجاه موسكو، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز للنظام السابق. ويُنظر إلى الانسحاب من القامشلي على أنه جزء من إعادة تموضع روسية تهدف إلى تركيز الوجود العسكري في نقطتين استراتيجيتين فقط: القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم، باعتبارهما آخر موطئ قدم عسكري لروسيا خارج نطاق الاتحاد السوفياتي السابق.
خلفية الوجود الروسي في القامشلي
كانت روسيا قد دخلت إلى مطار القامشلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عقب الهجوم التركي الواسع على مناطق سيطرة القوات الكردية شمال شرق سوريا، والذي جاء في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نيته سحب القوات الأميركية من المنطقة. آنذاك، شعر الأكراد بأن واشنطن تخلت عنهم، ففتحوا قنوات اتصال مع دمشق وموسكو، ما أتاح للقوات الروسية لعب دور “قوة فصل” بين القوات التركية والفصائل الكردية، إلى جانب تسيير دوريات مشتركة والإشراف على تنفيذ تفاهمات أمنية حساسة.
تراجع الدور الروسي شمال شرق سوريا
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا بين القوات الكردية والجيش السوري، انتهى بانسحاب الأكراد من مساحات واسعة في محافظتي دير الزور والرقة، وإعادة انتشارهم في معقلهم الأساسي بالحسكة. هذا التطور، إلى جانب التغير السياسي في دمشق، قلّص من الحاجة إلى الدور الروسي في القامشلي، وجعل استمرار الوجود العسكري هناك أقل جدوى من الناحية الاستراتيجية.
رسائل سياسية إقليمية ودولية
يحمل الانسحاب الروسي من مطار القامشلي رسائل متعددة الاتجاهات. فمن جهة، يعكس رغبة موسكو في التكيف مع موازين القوى الجديدة في سوريا دون الدخول في مواجهات مكلفة، ومن جهة أخرى، يبعث بإشارة إلى القوى الإقليمية، خصوصًا تركيا والولايات المتحدة، بأن روسيا تعيد ترتيب أولوياتها، مع الحفاظ على خطوطها الحمراء المتمثلة في طرطوس وحميميم.
كما يُفهم هذا التحرك في إطار سعي موسكو إلى ضمان تفاهمات طويلة الأمد مع السلطات الانتقالية السورية، خاصة بعد زيارة مسؤولين روس إلى دمشق، ثم زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث حظي باستقبال لافت من الرئيس فلاديمير بوتين.
مستقبل الوجود الروسي في سوريا
ورغم الانسحاب من القامشلي، لا يبدو أن روسيا بصدد مغادرة سوريا بشكل كامل، بل على العكس، تعمل على ترسيخ وجودها في مواقع أقل عددًا وأكثر أهمية، بما يضمن لها نفوذًا سياسيًا وعسكريًا في شرق المتوسط. غير أن مراقبين يرون أن تقلص الانتشار الروسي شمال شرق البلاد قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، سواء بين دمشق والقوات الكردية، أو في إطار تفاهمات إقليمية أوسع.
في المحصلة، لا يُعد سحب القوات الروسية من مطار القامشلي مجرد خطوة لوجستية عابرة، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة في المشهد السوري، تتسم بإعادة رسم خرائط النفوذ، وتراجع منطق القواعد المتقدمة لصالح التمركز الاستراتيجي، في انتظار ما ستفرزه التوازنات السياسية والعسكرية المقبلة في بلد ما زال يعيش على إيقاع التحولات الكبرى.
انسحاب روسي لافت من مطار القامشلي شمال شرق سوريا يعكس تحولات عميقة في موازين القوى، وإعادة تموضع عسكري لموسكو في ظل المتغيرات السياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ومساعٍ للحفاظ على النفوذ عبر قاعدتي طرطوس وحميميم.

التعليقات مغلقة.