أثار الطبيب المصري “حسام موافي” أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني جدلا واسعا بعد طرحه تساؤلا حول إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام مثل الكلى والقرنيات لإنقاذ مرضى يحتاجون إلى عمليات زراعة أعضاء.
وجاء طرح موافي خلال برنامج تلفزيوني، حيث دعا إلى بحث إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام مع ضرورة الرجوع إلى الجهات القانونية والشرعية المختصة لتحديد مدى إمكانية تطبيق الفكرة وضوابطها.
وأثار التصريح نقاشا واسعا في الأوساط الطبية والقانونية والدينية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يرى أن التبرع بالأعضاء يمكن أن يسهم في إنقاذ حياة مرضى ومن يطرح تساؤلات حول مدى حرية موافقة المحكوم عليه بالإعدام وما إذا كانت ظروف الحكم يمكن أن تؤثر في إرادته.
وقال نقيب الأطباء المصري أسامة عبد الحي في تصريحات إعلامية، إن طرح نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام يتعارض مع مفهوم التبرع مؤكدا أن التبرع بالأعضاء ينبغي أن يتم بناء على إرادة الإنسان، سواء خلال حياته أو بعد وفاته.
كما أوضح الأمين العام لنقابة الأطباء أبو بكر القاضي، وفق تصريحات لوسائل إعلام محلية أن القانون المصري يشترط الحصول على موافقة صريحة من المتبرع مشيرا إلى تأييد النقابة لتقنين التبرع بالأعضاء شريطة أن يكون قائماً على إرادة المتبرع.
في المقابل، قال أحمد الشيخ، مقرر لجنة الإعلام بنقابة الأطباء واستشاري أمراض وزراعة الكلى، لـ«بي بي سي»، إن النقابة لم تتخذ موقفا رسميا من تصريحات حسام موافي وإن المواقف التي صدرت عن بعض الأطباء تمثل آراء شخصية ولا تعبر بالضرورة عن موقف مؤسسي للنقابة.
وأضاف الشيخ أن التبرع بأعضاء المحكوم عليهم بالإعدام يمكن أن يكون محل بحث من الناحيتين القانونية والشرعية، لكن بشرط أساسي يتمثل في وجود موافقة حرة وصريحة من المحكوم عليه.
وأشار إلى أن تطبيق الفكرة عمليا يواجه عددا من التحديات، من بينها غياب آلية تنفيذية متكاملة لتسجيل رغبة الشخص في التبرع بأعضائه بعد الوفاة وربطها بمنظومة موحدة، فضلا عن ضرورة وضع إجراءات تضمن الشفافية وتحول دون تعرض المحكوم عليه لأي ضغط أو استغلال.
جدل حول الجانب الشرعي
من جانبه، أوضح محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن حسام موافي لم يصدر فتوى بشأن نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام وإنما طرح تساؤلا حول مدى إمكانية تطبيق الفكرة.
وقال جمعة إن جسد الإنسان ليس سلعة مشيرا إلى أن التبرع بالأعضاء من المسائل التي شهدت اختلافاً فقهياً، مع ميله إلى جواز التبرع بضوابط، من بينها أن يتم برضا كامل وألا يكون نتيجة إكراه أو نيابة عن المتبرع.
وأضاف أن نقل الأعضاء ينبغي أن يرتبط بحالات الضرورة، خصوصا عندما يكون الهدف إنقاذ حياة مريض أو علاجه من مرض خطير.
موافي يوضح موقفه
وفي أعقاب الجدل الذي أثارته تصريحاته قال حسام موافي إنه تعرض لتحريف لما طرحه، مؤكدا أنه لم يقدم فتوى أو دعوة مباشرة إلى تطبيق الفكرة، وإنما طرحها في صورة تساؤل يحتاج إلى دراسة قانونية وشرعية.
وأوضح، خلال مداخلة هاتفية، أن هدفه كان مناقشة إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ حياة مرضى مشددا في الوقت نفسه على ضرورة الحصول على موافقة المحكوم عليه، والرجوع إلى النائب العام وشيخ الأزهر لحسم الجوانب القانونية والشرعية المتعلقة بالموضوع.
نقاش أوسع حول التبرع بالأعضاء
ويأتي الجدل الحالي في سياق نقاشات سابقة داخل مصر بشأن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة.
وفي فبراير الماضي، تقدمت النائبة بمجلس الشيوخ أميرة صابر بمقترح لإنشاء بنك وطني للأنسجة وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، بهدف المساهمة في إنقاذ حياة المرضى ووضع إطار قانوني وأخلاقي للحد من الاتجار في الأعضاء والأنسجة البشرية.
وقال أحمد الشيخ لـ«بي بي سي» إن هناك عملا بالتنسيق مع وزارة الصحة واللجنة العليا لزراعة الأعضاء بهدف توسيع نطاق زراعة الكلى وزيادة أعداد المتبرعين.
وأشار كذلك إلى العمل على إدخال نظام «التبرع التبادلي» الذي يتيح إجراء عمليات زراعة بين حالات لا تتوافق فيها الخصائص الطبية بشكل مباشر بين المتبرع والمريض، مع استهداف تعزيز الشفافية والعدالة والحد من محاولات الاحتيال.
وأوضح الشيخ أن من أبرز العقبات أمام توسيع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة غياب آلية موحدة وفعالة لتسجيل رغبة الشخص في التبرع، سواء عبر بطاقة الرقم القومي أو من خلال شبكة إلكترونية موحدة.
ماذا يقول القانون المصري؟
تنظم عمليات نقل وزراعة الأعضاء في مصر بموجب القانون رقم 5 لسنة 2010، الذي يضع ضوابط لنقل الأعضاء والأنسجة من المتوفى إلى شخص حي في حالات الضرورة، ومن بينها وجود وصية موثقة أو مثبتة في وثيقة رسمية وفق الإجراءات القانونية والتنظيمية المعمول بها.
كما ينص الدستور المصري على أن التبرع بالأنسجة والأعضاء يمثل «هبة للحياة»، ويكفل حق الإنسان في التبرع بأعضاء جسده أثناء حياته أو بعد وفاته، وفق الضوابط والموافقة أو الوصية الموثقة التي يحددها القانون.
وشهد الإطار التشريعي المصري تعديلات خلال عامي 2017 و2019 تضمنت تشديد العقوبات المرتبطة بالاتجار في الأعضاء البشرية وتعزيز الضوابط المنظمة لعمليات نقل وزراعة الأعضاء.
وبينما يواصل الجدل حول فكرة نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام تظل الأسئلة المتعلقة بحرية الموافقة وحماية المحكوم عليه من أي ضغط وضمان استقلال القرار الطبي والقانوني من أبرز النقاط التي تحتاج إلى حسم تشريعي وشرعي قبل بحث إمكانية تطبيق مثل هذا المقترح.

التعليقات مغلقة.