أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

عشر نساء وسبع محافظات مسار قيادي في مواجهة نظام طهران

جريدة أصوات

تحولت قضية المرأة في الجمهورية الإسلامية ، منذ السنوات الأولى التي أعقبت ثورة عام 1979، إلى أحد أبرز ميادين المواجهة بين السلطة والمجتمع. فالحجاب الإجباري، والقيود المفروضة على الحقوق الأسرية والاجتماعية، والتمييز في الوصول إلى المناصب السياسية والقضائية العليا، والتعامل الأمني مع النساء اللواتي تحدّين هذه القيود، أصبحت تدريجياً جزءاً من البنية القانونية والسياسية للنظام.

وقد سعت السلطة إلى تبرير كثير من هذه القيود بقراءتها المتخلفة والمتشددة للإسلام؛ قراءة تضع المرأة داخل إطار تحدده لها السلطة السياسية والمؤسسات الدينية الحاكمة.
غير أن تجربة العديد من المجتمعات المسلمة والدول العربية تُظهر أن مثل هذه النظرة لا يمكن نسبتها إلى الإسلام أو الثقافة الإسلامية عموما
فالنساء اليوم في كثير من البلدان المسلمة يشغلن مناصب وزارية ودبلوماسية وقضائية وبرلمانية وإدارية عليا، ويتولين مسؤوليات في مؤسسات حكومية مهمة نلكن التعامل مع المرأة في إيران سرعان ما تجاوز حدود القيود الاجتماعية، ليدخل ميدان القمع السياسي.

فبعد الثورة، بدأ نظام خميني ديكتاتوريته من الحجاب الإجباري، تحت شعار «إما الحجاب وإما الضرب على الرأس». وفي المقابل، دافعت نساء منظمة مجاهدي خلق، وهنّ محجبات، عن حق المرأة في حرية اختيار اللباس. وقد انضم عدد كبير من الفتيات والنساء الشابات إلى التيارات السياسية المعارضة للحكم، ولا سيما منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. ومع اتساع حضور النساء في التظاهرات والعمل السياسي والتنظيمي، أصبحن مع بدء حملة القمع الواسعة ضد المعارضين عام 1981 ضمن الفئات الرئيسية التي طالتها الاعتقالات.

ومن أكثر الوثائق إيلاما في تلك المرحلة ما نُشر بعد أيام قليلة من تظاهرات 20 يونيو/حزيران 1981.
ففي 24 يونيو/حزيران 1981، نشرت صحيفة «اطلاعات»، وهي إحدى الصحف الرسمية في البلاد، صور 12 فتاة وامرأة شابة تم إعدامهن. ولم تكن السلطات تعرف حتى هوياتهن. وفي بيان صادر عن النيابة العامة، طُلب من العائلات أن تراجع سجن إيفين ومعها وثائق تثبت هوية بناتها، من أجل التعرف إلى الجثث وتسلمها.

بمعنى آخر، أُعدمت نساء قبل أن تعرف السلطة أسماء بعضهن وهوياتهن بدقة وقد سُجلت هذه الواقعة لاحقاً في تقارير حقوقية مستقلة. فقد أشارت منظمة العفو الدولية، في مراجعتها لإعدامات ثمانينيات القرن الماضي في إيران، إلى هذه الوثيقة، وسجلت نشر صور 12 شابة في صحيفة «اطلاعات» ودعوة عائلاتهن إلى مراجعة سجن إيفين.

ولم يكن ذلك سوى نموذج واحد من حملة قمع واسعة استمرت في السنوات اللاحقة. فقد اعتُقلت آلاف النساء، وكثيرات منهن كنّ شابات وطالبات جامعيات، وقضت أعداد منهن تحت التعذيب أو أمام فرق الإعدام. وتحولت سجون إيفين وقزل حصار وجوهردشت إلى أماكن أمضى فيها جزء من جيل كامل من النساء السياسيات الإيرانيات سنوات شبابهن.

وفي مثل هذه الظروف، كان تحول آخر يتشكل داخل منظمة مجاهدي خلق فمع اتساع حضور النساء في المقاومة، ومع التجربة التي راكمنها في النضال والسجون والعمل التنظيمي، وُضع سؤال جوهري أمام المنظمة: لماذا لا تكون النساء اللواتي حضرن في أكثر ساحات النضال كلفةً، حاضرات أيضاً في أعلى مستويات القرار والقيادة؟

وقد أدى الجواب عن هذا السؤال، في مارس/آذار 1985، إلى تحول تنظيمي مهم ففي 10 مارس/آذار 1985، انتُخبت مريم رجوي «ندّاً للمسؤول الأول» في منظمة مجاهدي خلق. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها امرأة إلى هذا المستوى من القيادة داخل المنظمة.

وبعد أربع سنوات، في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1989، خطا هذا التحول خطوة أخرى، عندما انتُخبت مريم رجوي مسؤولة أولى لمنظمة مجاهدي خلق؛ أي إن أعلى مسؤولية تنظيمية في المنظمة أُسندت رسمياً إلى امرأة.

ولم تكن أهمية هذا القرار محصورة في اختيار امرأة فحسب. فالمنظمة التي عُذّب وأُعدم عدد كبير من النساء من مؤيداتها وعضواتها في السجون، اختارت، في مواجهة سلطة كانت تدفع المرأة خارج كثير من دوائر القوة، مساراً معاكساً، فدفعت بالمرأة إلى أعلى مستوى في القيادة.

وبعد عامين، في عام 1991، انتُخبت فهيمة أرواني نائبة للمسؤولة الأولى، ثم تولت عام 1993 مسؤولية المنظمة الأولى.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد قيادة النساء استثناءً، بل أصبحت مسارا ثابتا فبعد فهيمة أرواني، تولت شهرزاد صدر هذه المسؤولية عام 1995، ثم مهوش سپهري عام 1997، وبهشته شادرو عام 1999، ومژگان بارسائي عام 2001، وصديقة حسيني عام 2005، وزهرة أخياني عام 2011، وزهرا مریخي عام 2017.

واستمر هذا المسار في 6 سبتمبر/أيلول 2026 مع انتخاب مهناز ميمنت، لتصبح المرأة العاشرة في هذه السلسلة القيادية.

لكن في قراءة مسار هؤلاء النساء العشر، هناك جانب آخر قلّما جرى التوقف عنده: التنوع الجغرافي.

فهؤلاء النساء ينحدرن من سبع محافظات إيرانية مختلفة مريم رجوي من طهران، وفهيمة أرواني من تبريز في أذربيجان الشرقية، وشهرزاد صدر من طهران، ومهوش سپهري من سنندج في كردستان، و بهشته شادرو من رشت في جيلان، ومژگان بارسائي من الأهواز في خوزستان، وصديقة حسيني من لنكرود في جيلان، وزهرة أخياني من شاهرود في سمنان، وزهرا مریخي من قائم شهر في مازندران. أما مهناز ميمنت فهي أيضاً من مواليد طهران.

وبذلك، فإن قيادة النساء في هذه المنظمة لم تظل محصورة في مدينة واحدة، أو منطقة واحدة، أو خلفية اجتماعية محددة، بل امتدت إلى مناطق مختلفة من إيران؛ من أذربيجان وكردستان إلى خوزستان وجيلان ومازندران وسمنان. وهذا هو المعنى الكامن في اسم «مجاهدي خلق إيران»: منظمة لا تنتمي إلى «الفرس» وحدهم، بل إلى إيران كلها، بتنوعها القومي والاجتماعي.

غير أن المعنى السياسي لهذا التحول لا يُفهم إلا بوضعه في مواجهة البنية المقابلة له فالجمهورية الإسلامية، على مدى أكثر من أربعة عقود، بررت في مناسبات كثيرة القيود المفروضة على النساء بقراءتها الحكومية للدين. وكان الحجاب الإجباري، واللامساواة في بعض قوانين الأسرة، والقيود على بعض المناصب العليا، وقمع النساء اللواتي وقفن في وجه هذا النظام، جزءاً من هذه البنية.

في المقابل، سعت المقاومة الإيرانية إلى تقديم جواب في الاتجاه المعاكس تماماً: إسناد المسؤولية وسلطة القرار إلى النساء.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قيادة النساء في منظمة مجاهدي خلق مجرد سياسة تتعلق بمشاركة المرأة. فهذا التوجه يستهدف مباشرة إحدى الركائز الفكرية للنظام الحاكم؛ وهي الفكرة التي تضع المرأة في موقع أدنى من الرجل داخل بنية السلطة، ثم تمنح هذا التمييز غطاءً دينياً.

لذلك يمكن القول إن انتخاب امرأة للمسؤولية الأولى في المنظمة عام 1989، واستمرار هذا المسار حتى انتخاب المرأة العاشرة عام 2026، لم يكن بالنسبة إلى مجاهدي خلق مجرد تحول تنظيمي، بل كان جواباً أيديولوجياً وسياسياً على نظام جعل من قمع النساء جزءاً من هويته.

وتتضح دلالة هذه المواجهة حين نضع صورتين تاريخيتين جنباً إلى جنب في صيف 1981، كانت السلطة تنشر صور فتيات أُعدمن وهي لا تعرف حتى أسماءهن، وتطلب من عائلاتهن مراجعة سجن إيفين لتسلم جثثهن.

وبعد سنوات قليلة، داخل القوة السياسية التي مالت إليها كثير من أولئك الفتيات، وصلت امرأة إلى أعلى موقع تنظيمي، ثم تعاقبت بعد ذلك عشر نساء على هذا الموقع.

إن المسافة بين هاتين الصورتين ربما تكون أبلغ من كثير من التحليلات السياسية في إحدى الصورتين، نساء سُجنّ وعُذبن وأُعدمن بسبب المقاومة والاحتجاج. وفي الصورة الأخرى، مسار حوّل المرأة من ضحية للقمع إلى موقع القيادة وصناعة القرار.

ومن هذا المنظور، لم تعد عبارة «عشر نساء من سبع محافظات إيرانية» مجرد حقيقة تنظيمية، بل باتت رواية لمسار بدأ من السجون وفرق الإعدام في ثمانينيات القرن الماضي، وانتهى إلى أكثر من ثلاثة عقود من القيادة النسائية المتواصلة داخل أحد أبرز التيارات المعارضة للجمهورية الإسلامية.

وربما تكمن هنا أعمق نقاط التحدي الذي يمثله هذا النموذج لأيديولوجية الحكم في إيران: نساء كان يُراد لهن أن يُقمعن ويُحذفن، فإذا بهن في الجهة المقابلة يصلن إلى قيادة مقاومة.

التعليقات مغلقة.