منذ اعتلائه عرش المملكة في يوليوز 1999، قاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله مسارًا متفردًا من البناء والتجديد جعل المغرب يدخل القرن الحادي والعشرين بثقة الدولة الراسخة ورؤية الإصلاح العميق. لم يكن ذلك انتقالًا في السلطة فحسب، بل بداية عهد جديد عنوانه “الإنصات والإنجاز”، وسياسته الكبرى: جعل الإنسان في قلب المشروع التنموي.
قاد الملك، منذ السنوات الأولى، ثورة هادئة في الفكر التنموي والاجتماعي، حين أطلق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عام 2005، واضعًا بذلك حدًا لمنطق المساعدة الظرفية، ومؤسسًا لفلسفة جديدة تقوم على التمكين والكرامة. اليوم، وبعد عقدين من العمل الميداني، تحوّلت المبادرة إلى ركيزة للعدالة الاجتماعية، تتكامل مع الورش الملكي للحماية الاجتماعية الذي يضمن التغطية الصحية والدعم الأسري والتقاعد لملايين المغاربة.
في الوقت ذاته، أعاد الملك محمد السادس هيكلة الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاجية والتنافسية والانفتاح. فميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة التجارة العالمية في المتوسط، ومشاريع الطاقة النظيفة في ورزازات والعيون جعلت من المغرب رائدًا إقليميًا في الانتقال الطاقي، فيما أضحت الداخلة قطبًا استراتيجيًا يربط إفريقيا بأوروبا عبر الأطلسي.
ولم تكن التنمية الاقتصادية هدفًا في ذاتها، بل أداة لتعزيز السيادة الوطنية، خصوصًا في قضية الصحراء المغربية التي شكّلت محور السياسة الخارجية للمملكة منذ الاستقلال.
فقد حوّل جلالة الملك هذا الملف من ورقة نزاع إلى نموذج تنموي وسيادي متكامل، حيث ترجمت الاستثمارات الكبرى في الأقاليم الجنوبية — من البنية التحتية إلى مشاريع الطاقة والموانئ — الرؤية الملكية التي تعتبر التنمية أساس الدفاع عن الوحدة الترابية.
دبلوماسيًا، رسخ الملك محمد السادس سياسة براغماتية واقعية جعلت المغرب يحصد اعترافات دولية متزايدة بمغربية الصحراء، ويقنع المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الوحيد والعملي للنزاع المفتعل.
وقد جاء القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025 ليكرس هذا التحول النوعي، معترفًا ضمناً بريادة المقاربة المغربية، في خطوة اعتبرتها مراكز التفكير الدولية — ومنها معهد إلكانو الإسباني — “تتويجًا لرؤية ملكية ناجحة أعادت ترتيب أوراق الملف لصالح المغرب”.
وفي القارة الإفريقية، أعاد جلالة الملك توطيد الحضور المغربي عبر سياسة تضامن وشراكة متوازنة، جعلت من الرباط شريكًا موثوقًا في التنمية والأمن الإقليميين. فالمغرب اليوم يتحدث بلغة الإنجاز، لا الخطاب، ويمارس دبلوماسية هادئة تبني الجسور لا المتاريس.
أما داخليًا، فقد جسّد الملك مفهوم “الملك المواطن”، الحاضر في تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، من الشمال إلى أقصى الجنوب، حاملاً همومهم ومراقبًا مشاريع التنمية بنفسه، في مشهد نادر يجمع بين رمزية الملكية وإنسانية القيادة.
وبعد ربع قرن من الحكم، تتجسد بصمة محمد السادس في كل ركن من الوطن:
اقتصاد متنوع، مجتمع متضامن، سياسة خارجية متوازنة، وصحراء مغربية تنبض بالحياة والتنمية.
لقد جعل جلالته من مغرب اليوم دولة الثقة والمبادرة، دولة تصنع التاريخ لا تنتظره، وتُثبِت للعالم أن القيادة الرشيدة ليست خطابًا في القمم، بل فعلًا يوميًا في الميدان.

التعليقات مغلقة.