أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

مراكش مدينة تكتب بالضوء قصيدتها الثامنة في حب السينما القصيرة

تقرير زهير الزعواط

في مساء من مساءات مراكش التي تعرف كيف تعانق الدهشة، تفتحت أبواب دار الثقافة الداوديات على إيقاع الضوء والحلم، لتستقبل عشاق الصورة في الدورة الثامنة من مهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جدا، مساء الأربعاء 5 نونبر 2025.

ليست مجرد دورة جديدة في سجل المهرجان، بل احتفال متجدد بروح المدينة التي لا تكف عن إنجاب المعنى من رحم الصورة.

كان الافتتاح لوحة من الفخر والحنين، إذ تزامن مع الذكرى المجيدة للمسيرة الخضراء، فامتزجت صور السينما بنبض التاريخ، وغدت الشاشة مرآة لذاكرة وطنية تمشي بخطى واثقة نحو الأفق. مراكش لم تحتف فقط بالفن، بل بالوطن، بالإنسان، وبكل ما يجعل الصورة شهادة على الوجود.

تكريم وعبور بين الثقافات

اختارت المدينة الحمراء أن تكرم الفنانة سناء موزيان، في لحظة امتنان لمسار فني نسج ملامحه بالصوت والحضور. كما شهد حفل الافتتاح توقيع شراكتين ثقافيتين مع تونس؛ الأولى في المسرح مع مهرجان المونودام ومديره عماد الوسلاتي، والثانية في السينما مع مهرجان مدنين السينمائي الدولي عبر مديره محمد ثابت.

الفنانة سناء موزيان وهي تتسلم درع التكريم

ولأن الفن لا يعرف الحدود، اتجه المهرجان شرقا ليحتفي بالسينما الآسيوية في شخص المخرج سيبستيان كونغ، الذي افتتح العروض بفيلمه “HORS DU TEMPS”، وكأن الزمان توقف احتراما للسينما.

المخرج سيبستيان كونغ أثناء تكريمه

أفلام صغيرة… بأسئلة كبيرة

ثلاثة أيام من الحلم المكثف، من العروض التي تفتح كالنوافذ على العالم. أفلام جاءت من ضفاف متعددة، لتجعل مراكش منصة للحوار الإنساني عبر لغة الصورة.
أما لجنة التحكيم، فقد ضمت أسماء لها بصمتها في المشهد السينمائي: جمال بلمجدوب رئيسا، وعبد الرحمان عباس، لطفي أيت جاوي، Chatherine Godefroid، ومحمد تابت، في توليفة تمزج بين الخبرة والتنوع الثقافي.

لجنة تحكيم الدورة الثامنة من مهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جدا

ورشات تنبت من ضوء الشباب

لم يكن المهرجان فضاء للعرض فقط، بل مختبرا للإبداع، حيث احتضنت ورشات في كتابة السيناريو أطرها محمد الحبيب أحمدان، وأخرى في الصوت والموسيقى التصويرية بإشراف سناء فاضل.
كانت الورشات بمثابة مدارس صغيرة للموهبة، حيث يتحول الحلم إلى تجربة، والخيال إلى حرفة.

الصورة حين تلتقي بالكلمة

في امتداد هذا الأفق المعرفي، انعقدت ندوة علمية بعنوان “السينما والرواية”، جمعت بين نقاد وباحثين من المغرب والعراق وتونس، من بينهم عبد الرحمان عباس، الحسين أيت امبارك، إدريس كسرى، وعماد الوسلاتي.
وفي ختامها، تم توقيع كتاب “السينما والرواية” للناقد العراقي عبد الرحمان عباس، في لحظة مزج بين الكلمة والصورة، بين النص والعدسة، في حوار لا ينتهي بين الفكرة والمشهد.

مراكش… مدينة تعرف كيف تحلم

بمشاركة أفلام من المغرب، فلسطين، مصر، العراق، الجزائر، تونس، اليمن، سلطنة عمان، السعودية، بلجيكا، فرنسا، إيران، وموريتانيا، بدا المهرجان كأنه قوس قزح ثقافي يربط الجنوب بالشمال والشرق بالغرب.
مراكش، المدينة التي تتنفس فنا، أثبتت من جديد أنها ليست مجرد فضاء جغرافي، بل كائن حي يعيش بالشعر والصورة والموسيقى.

في نهاية العروض، بقي في الذاكرة أن الضوء لا يسكن الشاشة فقط، بل يسكن القلوب أيضا.
فكل فيلم قصير كان رسالة طويلة في حب الحياة، وكل مشهد كان دليلا على أن السينما، حين تمر من مراكش، تزداد بهاء وسحرا.

التعليقات مغلقة.