صوّتت الدنمارك لصالح مشروع القرار الأمريكي المتعلق بقضية الصحراء، خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم 30 أكتوبر 2026، في موقف دبلوماسي جمع بين تأييد النص الأمريكي والتحفظ بشأن عدد من الجوانب المرتبطة بالوضع النهائي للإقليم ومبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وحرصت كوبنهاغن على توضيح أن دعمها للمشروع الأمريكي لا يعني اعترافاً بالسيادة المغربية على الصحراء، مؤكدة أن موقفها يندرج في إطار مساندة الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.
وجاء الموقف الدنماركي في سياق نقاشات مكثفة داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم «المينورسو»، وحول الصيغة التي يمكن اعتمادها لإعادة تحريك المسار السياسي نحو تسوية نهائية للنزاع.
وكان المشروع الأمريكي قد حظي بتأييد 11 عضواً بمجلس الأمن، غير أنه لم يُعتمد بسبب استخدام روسيا حق النقض، رغم حصوله على أغلبية الأصوات.
وفي توضيح لمقاربة بلادها، شدد الممثل الدنماركي على ضرورة أن تستند التسوية السياسية إلى مبادئ الأمم المتحدة، وأن تحظى بقبول الأطراف المعنية، مع احترام حق تقرير المصير باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لأي حل نهائي.
كوبنهاغن تطالب بتفاصيل إضافية حول الحكم الذاتي
ومن أبرز النقاط التي ميزت الموقف الدنماركي توجيه دعوة مباشرة إلى المغرب لتقديم مزيد من التفاصيل بشأن مقترح الحكم الذاتي الموسع، خاصة ما يتعلق بطبيعة الصلاحيات التي سيتيحها هذا النظام، وكيفية ممارستها في إطار السيادة المغربية، فضلاً عن الضمانات التي من شأنها تمكين السكان المعنيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير.
وترى كوبنهاغن أن توضيح هذه الجوانب العملية يمكن أن يعزز الثقة بين الأطراف، ويمهد الطريق أمام مفاوضات جادة تستند إلى معطيات واضحة وتفاهمات متبادلة.
ويعكس هذا الموقف أن الدنمارك لا ترفض المبادرة المغربية، بل تتعامل معها باعتبارها أرضية مهمة للنقاش السياسي، مع التأكيد على ضرورة استكمال تفاصيلها وتوضيح آليات تطبيقها، حتى تكون التسوية النهائية ثمرة مفاوضات متوافق عليها، وليست نتيجة فرض موقف مسبق على الأطراف.
وفي السياق ذاته، شدد الممثل الدنماركي على أن التصويت لصالح المشروع الأمريكي لا ينبغي تفسيره باعتباره اعترافاً بالسيادة المغربية على الإقليم، موضحاً أن تحديد الوضع النهائي للصحراء يظل مرتبطاً بمسار تفاوضي ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة.
امتناع عن التصويت على المشروع الروسي
ولم يقتصر الموقف الدنماركي على التحفظات المرتبطة بالمشروع الأمريكي، بل امتد أيضاً إلى مشروع القرار الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد ولاية بعثة المينورسو لمدة سنة إضافية، مع الإبقاء على صيغتها الحالية دون إدخال التغييرات التي تضمنها النص الأمريكي.
وامتنعت الدنمارك عن التصويت على المشروع الروسي، موضحة أن هذا الموقف لا يعكس تراجعاً عن دعم البعثة الأممية، وإنما يرتبط بتقديرها أن الاكتفاء بتمديد الولاية وفق الصيغة السابقة قد يؤدي إلى استمرار الوضع القائم، دون الاستفادة من التطورات السياسية التي شهدها الملف خلال الفترة الأخيرة.
كما انتقد الممثل الدنماركي طريقة تقديم المشروع الروسي، معتبراً أن النص لم يُطرح بحسن نية، ولم يأخذ بالاعتبار الدينامية التي عرفها الملف خلال السنة الماضية، إلى جانب الجهود الرامية إلى إطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات.
وفي المقابل، أكدت كوبنهاغن أهمية مواصلة الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة، ودعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، داعية الأطراف المعنية إلى الانخراط بصورة بناءة ومسؤولة في العملية السياسية، والابتعاد عن الشروط المسبقة والمواقف التي من شأنها عرقلة التوصل إلى تسوية توافقية.
موقف يوازن بين دعم المبادرة المغربية وتقرير المصير
ويبرز الموقف الدنماركي مقاربة دبلوماسية تقوم على دعم المبادرة المغربية باعتبارها أساساً جدياً للنقاش، مع التشديد على ضرورة توفير ضمانات مرتبطة بتقرير المصير، وإخضاع تفاصيل الحل النهائي لمفاوضات بين الأطراف المعنية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار تصويت الدنمارك لصالح المشروع الأمريكي اعترافاً قانونياً بالسيادة المغربية، بل هو دعم لإطار سياسي ترى كوبنهاغن أنه قد يساهم في إعادة إطلاق المفاوضات وفتح آفاق جديدة أمام التسوية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة المينورسو، بعدما أُسقط المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي، في حين أخفق المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، إذ نال ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع 11 عضواً عن التصويت.
وبذلك، لم يسقط المشروع الروسي بسبب فيتو أمريكي، وإنما نتيجة عدم بلوغه الحد الأدنى من الأصوات اللازمة للمصادقة عليه، وهو ما ترك مستقبل البعثة الأممية دون قرار جديد للتمديد، مع اقتراب انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026.
ويعيد الموقف الدنماركي التأكيد على ضرورة التمييز بين تأييد مشروع قرار داخل مجلس الأمن، والاعتراف القانوني بالسيادة، كما يبرز أن دعم مبادرة الحكم الذاتي لا يعني بالضرورة تبني جميع تفاصيلها أو اعتبارها حلاً نهائياً قبل استكمال المفاوضات.
وبين المطالبة بتوضيحات إضافية بشأن المبادرة المغربية، والتمسك بمبادئ الأمم المتحدة، تراهن كوبنهاغن على مسار تفاوضي يستند إلى وضوح المقترحات والضمانات المتبادلة والإرادة السياسية للأطراف، باعتبارها شروطاً أساسية للتوصل إلى حل دائم ومقبول للنزاع.
التعليقات مغلقة.