أصوات من الرباط
أعادت حادثة وفاة امرأة حامل بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير، خلال الأيام الماضية، الجدل حول واقع الصحة الإنجابية بالمغرب، وسط تساؤلات متجددة حول نجاعة السياسات الصحية، وحدود التقدم المُحرز في تقليص وفيات الأمهات، مقارنة بالتحديات البنيوية والمجالية التي ما تزال قائمة.
وبالرغم من التراجع الملحوظ في معدل وفيات الأمهات، الذي انخفض من 244 وفاة إلى 72 لكل 100 ألف مولود حي بين سنتي 2000 و2020، وفق ما كشفه الطبيب والباحث في السياسات الصحية، الدكتور الطيب حمضي، فإن هذا الرقم يظل مرتفعاً مقارنة بمؤشرات الدول ذات البنية الصحية المتقدمة.
ويرى متتبعون أن هذا التفاوت يعكس إشكالات عميقة، أبرزها ضعف البنيات التحتية الصحية في عدد من الأقاليم، نقص الموارد البشرية المؤهلة، غياب النقل الصحي الفعال، وصعوبة الولوج إلى خدمات التوليد والمرافقة الطبية، خاصة بالنسبة للنساء في المناطق القروية والبعيدة عن مراكز الرعاية.
وفي تعليق على الوضع، قال الدكتور خالد فتحي، الأستاذ بكلية الطب والصيدلة بالرباط، إن “كل وفاة ناتجة عن الحمل أو الولادة هي فشل جماعي للمجتمع والمنظومة الصحية”، مبرزاً أن “العوامل الاجتماعية، مثل زواج القاصرات، والأمية، والفقر، تلعب دوراً كبيراً في تعقيد الحالة الصحية للحوامل”، مضيفاً أن “البيروقراطية الصحية وضعف التنسيق الميداني يضيعان فرصاً ثمينة لإنقاذ أرواح الأمهات”.
من جهته، يطالب عدد من الفاعلين الصحيين والمدنيين بضرورة إعادة النظر في تدبير ملف الصحة الإنجابية، من خلال إرساء إجراءات فعالة على الأرض، من بينها إنشاء مراكز لإيواء الحوامل القادمات من مناطق نائية قبيل موعد الولادة، وتوفير خدمات التتبع الطبي المنتظم والمجاني، خاصة للفئات الهشة، إلى جانب تحسين آليات التنسيق بين القطاعين العام والخاص لتجويد الرعاية وضمان استمراريتها.
ويؤكد المختصون أن تحقيق عدالة صحية حقيقية لفائدة النساء المغربيات يستدعي أكثر من مجرد تحسين المؤشرات الرقمية، بل يتطلب رؤية شمولية تُدمج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في أي إصلاح مرتقب، مع التركيز على تأهيل المستشفيات العمومية، وضمان توزيع عادل للأطر الصحية عبر الجهات، وإعادة الثقة في المنظومة الصحية كمكون أساسي من مكونات التنمية المستدامة.
وإلى حين تحقيق ذلك، ستبقى حوادث وفيات الأمهات، مثل تلك التي شهدها مستشفى أكادير، تُنذر باستمرار اختلالات مقلقة، وتدعو إلى حوار وطني صريح ومسؤول حول حق كل امرأة في رعاية صحية كريمة وآمنة قبل وأثناء وبعد الولادة.

التعليقات مغلقة.