إجماع تاريخي في الجزائر لتجريم الاستعمار الفرنسي بقانون شامل
يتجه مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر إلى نيل إجماع كامل داخل المجلس الشعبي الوطني، في خطوة تشريعية غير مسبوقة تعكس توافقًا نادرًا بين مختلف الأطياف السياسية، وبدعم صريح من الحكومة الجزائرية، في لحظة وُصفت بالتاريخية على مستوى التعاطي الرسمي مع ملف الذاكرة الوطنية.
وخلال جلسة استثنائية عقدها البرلمان، السبت 20 ديسمبر، بدت القاعة في أجواء رمزية لافتة، حيث تزيّنت بالراية الوطنية وتوشّح النواب وأعضاء الحكومة بالألوان الوطنية، وسط تفاعل قوي عكس رمزية الحدث وأبعاده السيادية. ومع انطلاق المناقشات، تعالت الزغاريد وهتافات التأييد، في مشهد يعكس حمولة تاريخية ووجدانية لقضية ظلت مؤجلة لعقود.
غطاء قانوني للذاكرة الوطنية
ويندرج المقترح ضمن مسعى تشريعي يهدف إلى توفير غطاء قانوني صريح للدولة الجزائرية في تعاملها مع ملف الذاكرة، وتعزيز موقعها التفاوضي في مخاطبة الدولة الفرنسية بخصوص الجرائم المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية، لاسيما ما يتعلق بالاعتراف والاعتذار وجبر الضرر.
وفي هذا السياق، أكد رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، لدى عرضه النص نيابة عن رؤساء الكتل البرلمانية، أن تجريم الاستعمار «قضية شعب بأكمله»، تتجاوز الخلافات السياسية، وتمثل فعلًا سياديًا ورسالة سياسية وأخلاقية موجهة للداخل والخارج. واعتبر أن الجلسة ليست إجراءً برلمانيًا عاديًا، بل محطة مفصلية في مسار استعادة الذاكرة الوطنية.
توصيف الاستعمار كجريمة دولة
وأوضح بوغالي أن مقترح القانون لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يقوم على توصيف الاستعمار الفرنسي كجريمة دولة، مع تحميل فرنسا مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن سياسات الاقتلاع، ومصادرة الأراضي، والتجويع، والنفي، والتهجير القسري، وإنشاء المحتشدات، إضافة إلى المجازر الجماعية والتفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، وما خلّفته من أضرار صحية وبيئية مستمرة.
وشدد على أن النص لا يستهدف الشعب الفرنسي، ولا ينطلق من منطق الانتقام، بل من مبدأ قانوني وأخلاقي مفاده أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن الصمت لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحقيقة.
دعم حكومي ورسمي
من جهته، اعتبر وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، أن المقترح ينسجم مع توجه “الجزائر المنتصرة” التي لا تساوم على ذاكرتها، مؤكداً أن حماية الذاكرة الوطنية واجب سيادي ومدخل لتحقيق العدالة التاريخية. وأبرز أن التذكير بجرائم الاستعمار ليس استحضارًا للماضي بقدر ما هو التزام أخلاقي تجاه الأجيال القادمة.
نص شامل وآليات قانونية
ويتضمن مقترح القانون، الذي صاغته لجنة برلمانية متعددة التمثيل، خمسة فصول و27 مادة، تحدد أهداف النص، وتصنّف جرائم الاستعمار، وتضبط مسؤولية الدولة الفرنسية، وتقر آليات المطالبة بالاعتراف والاعتذار، إلى جانب تجريم تمجيد الاستعمار أو الترويج له.
وتنص المادة السادسة صراحة على أن جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم، فيما تجرّم مواد أخرى كل أشكال التعاون مع السلطة الاستعمارية، معتبرة إياها خيانة عظمى، في ربط واضح بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.
نحو المصادقة النهائية
ومن المرتقب أن يُعرض المقترح للتصويت خلال الأيام المقبلة، وسط توقعات بحصوله على إجماع كامل، قبل إحالته على مجلس الأمة، ثم نشره في الجريدة الرسمية ليصبح ساري المفعول، فاتحًا بذلك مرحلة جديدة في التعاطي القانوني والسياسي مع ملف الذاكرة الاستعمارية في الجزائر.

التعليقات مغلقة.