أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إصلاح التعليم في المغرب تحديات ورهانات التطوير

بدر شاشا

يواصل المغرب تنفيذ إصلاحات واسعة في قطاع التربية والتكوين، باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الرأسمال البشري، وذلك من خلال برامج واستراتيجيات متعاقبة تهدف إلى الارتقاء بجودة التعليم وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

ويحظى إصلاح المنظومة التعليمية بمكانة محورية ضمن الأولويات الوطنية، انسجامًا مع توجهات النموذج التنموي الجديد، حيث تسعى الدولة إلى إعداد أجيال مؤهلة لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وترسيخ قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية.

مسار إصلاحي منذ الاستقلال

شهد قطاع التعليم بالمغرب منذ الاستقلال سنة 1956 سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى توسيع الولوج إلى المدرسة وتحسين جودة التكوين. ففي السنوات الأولى للاستقلال اعتمدت الدولة مبادئ التعميم والتوحيد والتعريب والمغربة، بهدف تعميم التمدرس وتوحيد المناهج وتعزيز الاعتماد على الأطر الوطنية.

كما توسعت البنية التحتية التعليمية بإحداث مدارس وثانويات وجامعات جديدة، غير أن النمو الديمغرافي والهجرة نحو المدن فرضا تحديات إضافية على المنظومة.

وخلال العقود الأخيرة، تعزز مسار الإصلاح باعتماد الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، ثم البرنامج الاستعجالي (2009-2012)، تلاه إطلاق الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030)، قبل اعتماد خارطة الطريق (2022-2026)، التي تركز على تحسين التعلمات الأساسية، والرفع من كفاءة الأساتذة، وتطوير مؤسسات الريادة، وتعزيز الحكامة.

منظومة متكاملة لتدبير القطاع

ترتكز المنظومة التعليمية المغربية على شبكة من المؤسسات والفاعلين تتصدرها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، التي تضطلع بوضع السياسات التعليمية وإعداد المناهج وتدبير الموارد البشرية والمالية والإشراف على تنفيذ برامج الإصلاح.

وتتولى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين تنزيل هذه السياسات على المستوى الترابي، بينما تشرف المديريات الإقليمية على تتبع المؤسسات التعليمية ومواكبة الأطر التربوية والإدارية وتنظيم الامتحانات والتكوين المستمر.

وتشكل المؤسسة التعليمية النواة الأساسية للعملية التربوية، حيث يضطلع مدير المؤسسة وهيئة التدريس وهيئات التأطير والتوجيه والأطر الإدارية بأدوار متكاملة لضمان جودة التعلمات وتحقيق أهداف مشروع المؤسسة، إلى جانب مساهمة الأسر والجماعات الترابية والمجتمع المدني والقطاع الخاص في دعم المدرسة العمومية عبر الشراكات والتمويل والأنشطة التربوية.

الرقمنة والحكامة في صلب الإصلاح

عملت الوزارة خلال السنوات الأخيرة على توسيع استخدام الحلول الرقمية لتطوير تدبير القطاع، من خلال اعتماد منظومة “مسار” لتتبع المسار الدراسي للتلاميذ، ومنظومة “ESISE” لتدبير المعلومات التربوية، إضافة إلى منصات التعليم الرقمي وخدمات التسجيل والتوجيه الإلكتروني.

ويرى متابعون أن تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تطوير الرقمنة وتحسين التكوين الأساسي والمستمر للأطر التربوية، يمثل مدخلًا أساسيًا لإنجاح مختلف برامج الإصلاح.

التعليم الأولي… أولوية استراتيجية

ويحتل التعليم الأولي مكانة متقدمة ضمن السياسة التعليمية الوطنية، باعتباره المرحلة الأساسية في تنمية القدرات اللغوية والمعرفية والاجتماعية للأطفال، وإعدادهم للالتحاق بالتعليم الابتدائي.

وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا من خلال تعميم التعليم الأولي، خاصة بالمناطق القروية، وتأهيل الفضاءات التربوية، وتكوين المربيات والمربين، واعتماد مناهج حديثة تراعي خصوصيات الطفل واحتياجاته التنموية.

تحديات قائمة رغم الإصلاحات

ورغم الجهود المبذولة، لا تزال المنظومة التعليمية تواجه عدداً من التحديات، من أبرزها تفاوت جودة التعليم بين الجهات، والاكتظاظ داخل بعض المؤسسات، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وصعوبات اكتساب التعلمات الأساسية، والفوارق بين الوسطين الحضري والقروي، إضافة إلى إكراهات التمويل والحكامة وربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق الشغل.

ويؤكد متابعون أن نجاح الإصلاح يظل رهينًا بتطوير الحكامة، وتحقيق العدالة المجالية في توزيع الموارد، وتعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية، والانخراط الجماعي لمختلف الفاعلين في بناء مدرسة مغربية حديثة، دامجة، ومنصفة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية ومواكبة التحولات المستقبلية.

التعليقات مغلقة.