أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

التفاهة و”تيك توك عندما تتحول الشهرة إلى خطر على المجتمع

بدر شاشا

لم يعد تطبيق مجرد منصة للترفيه وتبادل الفيديوهات القصيرة، بل أصبح في نظر كثيرين قوة مؤثرة في طريقة تفكير الشباب والأطفال وحتى في شكل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. فبين محتوى مفيد يقدّم المعرفة والإبداع، ومحتوى آخر يقوم على الإثارة والصراخ والفضائح، يعيش المجتمع اليوم معركة حقيقية حول ما يسمى بـ”ثقافة التفاهة”.

لقد أصبح عدد كبير من الناس يقضون ساعات طويلة يوميًا في متابعة فيديوهات سريعة لا تقدم أي قيمة حقيقية، بل أحيانًا تساهم في نشر السطحية والتقليد الأعمى والسلوكيات الغريبة. والأسوأ أن بعض صناع المحتوى اكتشفوا أن الطريق الأسرع إلى الشهرة لا يمر عبر العلم أو الإبداع، بل عبر الجدل والفضائح واستفزاز الجمهور.

في الماضي، كان النجاح مرتبطًا بالدراسة والعمل والخبرة. أما اليوم، فأصبح البعض يعتقد أن تصوير تفاصيل الحياة اليومية أو الدخول في نزاعات مباشرة أمام الكاميرا قد يحقق الشهرة والمال بسرعة أكبر من أي مجهود حقيقي. وهنا بدأت القيم تتغير بشكل خطير، خاصة لدى فئة المراهقين الذين أصبحوا يقارنون أنفسهم بصورة وهمية لحياة مثالية مليئة بالمظاهر والسيارات والسفر والهدايا.

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استعمالها. فالتطبيقات الرقمية يمكن أن تكون وسيلة للتعلم ونشر المعرفة وبناء المشاريع، لكنها تتحول إلى خطر عندما تصبح أداة لتدمير الوعي ونشر السلوكيات السلبية. فبعض المحتويات تدفع الشباب إلى البحث عن الشهرة بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك على حساب الكرامة أو الأخلاق أو الحياة الخاصة.

كما أن تأثير هذا النوع من المحتوى لم يعد فرديًا فقط، بل أصبح يؤثر على الأسرة والمجتمع. فهناك أسر تعاني من العزلة داخل البيت، حيث أصبح كل فرد يعيش داخل هاتفه لساعات طويلة. وتراجعت النقاشات العائلية والقراءة والأنشطة الثقافية، مقابل الإدمان على التمرير السريع وملاحقة “الترند”.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود صناع محتوى محترمين يقدمون رسائل إيجابية ومحتويات تعليمية وثقافية مهمة، لكنهم غالبًا لا يحصلون على نفس الانتشار الذي تحققه التفاهة والفضائح. وهذا يعكس أزمة ذوق ووعي أكثر من كونه مجرد مشكلة تطبيقات.

إن أخطر ما في الأمر هو أن الأجيال الجديدة بدأت تعتبر الشهرة هدفًا بحد ذاته، بدل أن تكون نتيجة للنجاح الحقيقي والعمل والاجتهاد. وهنا يصبح المجتمع أمام تحدٍ كبير: كيف نحمي الشباب من الانجراف وراء محتوى فارغ يستهلك الوقت والعقل دون فائدة؟

المطلوب اليوم ليس محاربة التكنولوجيا، بل نشر الوعي الرقمي، وتقوية دور الأسرة والمدرسة، وتشجيع المحتوى الهادف، حتى لا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصانع لإنتاج التفاهة بدل صناعة المعرفة والوعي.

فالمجتمعات لا تتقدم بعدد المشاهدات، بل بقدرتها على بناء إنسان واعٍ، يفكر، يبدع، ويعرف الفرق بين الترفيه المفيد والتفاهة التي تسرق العمر والعقل بصمت.

التعليقات مغلقة.