أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الثائرون في الداخل وباريس 20 يونيو صوت واحد لمعركة التغيير

جريدة أصوات

تتجه الأنظار إلى العاصمة الفرنسية، حيث تُقام تظاهرة كبرى للإيرانيين الأحرار وأنصار المقاومة الإيرانية، مع بث مباشر باللغة العربية لإيصال صوت هذا الحدث إلى الرأي العام العربي والدولي. ولا تأتي هذه التظاهرة كحدث منفصل عن الداخل الإيراني، بل بوصفها امتدادًا سياسيًا وإعلاميًا لصوت الثائرين في المدن الإيرانية، ورسالة واضحة بأن معركة التغيير تجمع بين نضال الداخل وتضامن الخارج.

مع اقتراب الذكرى الخامسة والأربعين لانطلاق المقاومة الثورية الشاملة، تتكشف صورة لافتة عن وحدة المسار بين الداخل الإيراني والخارج. فبينما يستعد الإيرانيون وأنصار الحرية في باريس لرفع صوتهم دعمًا لحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره، تشهد المدن الإيرانية موجة متصاعدة من الأنشطة الثورية التي تؤكد أن جذوة المقاومة ما زالت حية رغم عقود القمع والإعدامات والسجون.

ما يجري في شوارع طهران ومشهد وأصفهان وكرج وسائر المدن الإيرانية ليس مجرد أنشطة رمزية أو تحركات متفرقة، بل تعبير عن واقع سياسي واجتماعي يتبلور داخل المجتمع الإيراني. فبعد خمسة وأربعين عامًا من حكم ولاية الفقيه، لم تنجح المشانق ولا السجون ولا أجهزة القمع في إخماد إرادة التغيير، بل إن كل موجة جديدة من القمع تولّد جيلًا جديدًا من الرافضين للاستبداد.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأنها تأتي في مرحلة يحاول فيها النظام إظهار نفسه قادرًا على السيطرة على الأوضاع الداخلية بعد سنوات من الأزمات والحروب والاحتجاجات. غير أن انتشار صور وشعارات المقاومة في قلب المدن الإيرانية، وعلى الجسور والساحات العامة والأماكن الخاضعة للمراقبة الأمنية المشددة، يكشف أن معركة الشرعية ما زالت مفتوحة، وأن السلطة لم تنجح في إخضاع المجتمع أو إخماد روح التمرد داخله.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو الطابع المنظم لهذه الأنشطة واتساع رقعتها الجغرافية. فحين تتكرر التحركات في عشرات المدن والمناطق، من طهران إلى تبريز، ومن الأهواز إلى أرومية، ومن شيراز إلى رشت، فإن الأمر يتجاوز حدود الاحتجاج المحلي، ليعكس وجود رؤية سياسية مشتركة وشعورًا عامًا بأن التغيير لم يعد حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا حاضرًا في وعي قطاعات واسعة من المجتمع.

كما أن إحياء ذكرى الشهداء والسجناء السياسيين، ورفع صور الذين أُعدموا مؤخرًا، يحملان رسالة سياسية واضحة. فالنظام الذي يعتقد أن الإعدامات قادرة على نشر الخوف وإخماد المعارضة، يواجه اليوم واقعًا معاكسًا: الضحايا يتحولون إلى رموز للمقاومة، والقمع نفسه يصبح عاملًا إضافيًا لتعميق الغضب الشعبي.

ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين ما يجري داخل إيران وما سيجري في باريس. فالتظاهرة الكبرى في 20 يونيو ليست مجرد تجمع في الخارج، بل منصة يلتقي فيها نضال الداخل مع تضامن الخارج، وتلتقي فيها تضحيات الشباب داخل المدن الإيرانية مع دعم الشخصيات السياسية والحقوقية والديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.

وتحمل هذه التظاهرة أيضًا رسالة سياسية مهمة تتمثل في رفض جميع أشكال الاستبداد، سواء كان استبدادًا مغطى بالدين أو محاولة لإعادة إنتاج دكتاتورية الشاه. فالشعار الذي يردده المحتجون داخل إيران، “الموت للمستبد، سواء كان شاهًا أم مرشدًا”، يعكس وعيًا متزايدًا بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على العودة إلى الماضي أو استمرار الحاضر، بل على إقامة نظام ديمقراطي يقوم على سيادة الشعب وصندوق الاقتراع واحترام حقوق الإنسان.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة المطالبة بإصلاحات جزئية. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى البحث عن تغيير جذري يضع حدًا للاستبداد ويؤسس لمرحلة جديدة. وفي هذا السياق، أصبحت المقاومة المنظمة والانتفاضات الشعبية عنصرين متكاملين في معادلة التغيير.

إن الرسالة التي ترتفع اليوم من شوارع إيران، والتي ستتردد أصداؤها في باريس، هي أن الشعب الإيراني لم يستسلم رغم كل ما تعرض له من قمع واضطهاد. وبعد خمسة وأربعين عامًا من المواجهة، ما زال الإيرانيون يرفعون راية الحرية ويرفضون الخضوع للدكتاتورية بأشكالها المختلفة.

لذلك، لن تكون تظاهرة باريس مجرد حدث سياسي أو إعلامي، بل تعبيرًا عن مرحلة جديدة من التلاحم بين الداخل والخارج، بين الشعب الإيراني ومقاومته، وبين نضاله الوطني والتضامن الدولي معه. إنها رسالة تؤكد أن إرادة الحرية أقوى من القمع، وأن مستقبل إيران لن تحدده المشانق والسجون، بل إرادة شعب يسعى إلى بناء جمهورية ديمقراطية قائمة على الحرية وسيادة الشعب.

التعليقات مغلقة.