المالية تفتح تحقيقات واسعة حول صفقات عمومية بأسعار “الصولد”.. وتكشف اختلالات خطيرة في التدبير
جريدة أصوات-الرباط
أصوات-الرباط
باشرت مصالح المفتشية العامة للمالية عمليات تدقيق واسعة شملت عدداً من الصفقات العمومية التي أُبرمت خلال الفترة الأخيرة، بعد توالي إشعارات برفض التأشير على عروض أسعار “غير مبررة”، تقدمت بها مقاولات صغيرة جداً أو حديثة التأسيس، اعتمدت استراتيجية خفض غير منطقي في الأسعار للفوز بطلبات العروض، في ما يشبه “موسم تخفيضات الصولد” داخل الطلبيات العمومية.
وأفادت مصادر مطلعة أن عمليات التدقيق طالت وثائق صفقات سابقة فازت بها مقاولات سبق لها أن كانت موضوع قرارات إقصاء من المنافسة العمومية، بسبب تعثرها أو توقفها النهائي عن تنفيذ مشاريع سابقة، أو بسبب عدم تسوية وضعيتها الجبائية ومشاكل في سداد مستحقات المورّدين.
وأوضحت ذات المصادر أن مفتشي وزارة الاقتصاد والمالية أوقفوا عمليات فحص دقيقة عند محاضر إقصاء مقاولات سبق أن قدمت عروضا بأسعار منخفضة بشكل غير عادي، قبل أن يتم استبعادها لاحقاً من طرف لجان تدبير الصفقات بمؤسسات عمومية وجماعات ترابية.
وكشفت التحقيقات الأولية، التي وُثّقت في تقارير مفتشي المالية، عن تجاهل خطير من قبل القائمين على تدبير الصفقات العمومية لمخاطر اعتماد عروض منخفضة لا تُغطي التكاليف الحقيقية للمشاريع، دون طلب أي تبريرات تقنية أو مالية من المقاولات المعنية. كما لم يتم التحقق من قدراتها المالية والبشرية على تنفيذ الأشغال، سواء من حيث الموارد البشرية أو المواد الأولية والتجهيزات.
كما امتدت عمليات الافتحاص إلى التثبت من قانونية التأشير على بعض الصفقات من طرف آمرين بالصرف، خصوصاً في الحالات التي تم فيها إسناد المشاريع إلى مقاولات مشكوك في جاهزيتها أو أهليتها التقنية، ما قد يُعرض الأوراش العمومية إلى خطر التعثر أو التوقف.
وأكدت المصادر أن المفتشين رصدوا قواسم مشتركة بين المقاولات المتورطة، أهمها:
أسعار منخفضة بشكل مفرط وغير مدعّمة بوثائق، هشاشة مالية وتنظيمية، سوابق في تعثر إنجاز مشاريع، ملاحقات ضريبية أو ديون تجاه مزودين.
ويأتي هذا التحرك الرقابي في سياق تشديد وزارة الاقتصاد والمالية، عبر مقتضيات قانون المالية الحالي، على ضرورة عقلنة تدبير الصفقات العمومية، خصوصاً تلك المتعلقة بـ مشاريع البنية التحتية، استعداداً لاحتضان المملكة لمناسبتين رياضيتين كبيرتين، هما كأس إفريقيا للأمم 2025 ومونديال 2030.
وتُعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية حكومية تهدف إلى ضمان جودة المشاريع وشفافية الطلبيات العمومية، خاصة أن الحكومة خصصت خلال السنة الجارية ميزانية تناهز 340 مليار درهم موجهة للطلبيات العمومية، ستُوزّع على مقاولات من مختلف الأحجام والقطاعات.
وخلصت التحقيقات الجارية إلى ضرورة تعزيز إجراءات المراقبة القبلية للعروض المشبوهة، وفرض تقديم تبريرات مفصلة لأي أسعار تقل بكثير عن المعدلات المرجعية، مع إلزام لجان الصفقات بتقييم حقيقي للقدرات التقنية والمالية للمقاولات، بما يضمن استدامة الأوراش وجودة الإنجاز.
ويتوقع أن تؤدي نتائج هذه التحقيقات إلى فرض عقوبات أو إجراءات تنظيمية جديدة ضد المقاولات المتلاعبة، وأيضاً ضد المسؤولين الإداريين المتورطين في تمرير صفقات بطريقة مشبوهة، خاصة في ظل تصاعد الضغط من أجل تأمين شفاف ومستدام للإنفاق العمومي في المشاريع الاستراتيجية.

التعليقات مغلقة.