احتضن المركب الإجتماعي التابع لوزارة العدل بمدينة مراكش، زوال يوم الجمعة 15 ماي الجاري، فعاليات الدورة الثالثة والعشرون ل ” محكمة النساء الرمزية”،
المنظمة من طرف اتحاد العمل النسائي بشراكة مع شبكة مراكز النجدة، تحت شعار ” فضاء رقمي آمن يضمن الحماية والكرامة للنساء”،
وذلك بحضور أساتذة جامعيين وباحثين وحقوقيين ومحامين، وفاعلين مدنيين، ومعتقلين سابقين للرأي،
وشكلت هذه الدورة مناسبة لتسليط الضوء على تصاعد ظاهرة العنف الرقمي ضد النساء، وما باتت تفرزه التحولات التكنولوجية والإنتشار المتسارع للذكاء الإصطناعي من تحديات جديدة تمس السلامة النفسية والإجتماعية للنساء، خاصة الفئات الهشة والنساء الناشطات والإعلاميات وصاحبات الرأي،
وأكد المتدخلون خلال الجلسات أن العنف الرقمي لم يعد يقتصر على التحرش أو المضايقات عبر الأنترنيت، بل تطور ليشمل التشهير الجماعي، وانتحال الهوية، والإبتزاز الجنسي الرقمي، وتزييف الصور، واستنساخ الأصوات باستعمال تقنيات الذكاء الإصطناعي، مما جعل الفضاء الرقمي يتحول من وسيلة للتواصل والتعبير إلى مجال للعنف النفسي والإخضاع والتهديد،
واعتبرت هيئة الدفاع ورئاسة المحكمة الرمزية أن العنف الرقمي يعد من أخطر تجليات العنف في عصر التكنولوجيا، بالنظر الى طبيعته العابرة للحدود وسرعة انتشاره، وصعوبة التحكم في تداعياته، خاصة في ظل استمرار تداول الصور والمعطيات الشخصية حتى بعد صدور الأحكام القضائية، بسبب ضعف الوسائل التقنية، والموارد البشرية المختصة،
كما استمعت المحكمة الرمزية إلى شهادات ضحايا تعرضن لأشكال مختلفة من العنف الرقمي الممنهح، حيث تم الوقوف على الآثار النفسية والإجتماعية الخطيرة لهذه الممارسات، والتي تتراوح بين القلق والإكتئاب، واضطرابات السلوك والعزلة والإنطواء، وصولا في بعض الحالات إلى التفكير في الإنتحار، نتيجة الخوف من الفضيحة أو من الأحكام المجتمعية،
وأشار المتدخلون إلى أن الأسرة بدورها تتأثر بشكل مباشر بهذه الجرائم، حيث تمتد تداعياتها إلى المحيط العائلي، عبر تفكك العلاقات الأسرية، وارتفاع حالات التوثر والطلاق والتشتت الأسري، في ظل غياب المواكبة النفسية والدعم الإجتماعي الكافي للضحايا،
وفي هذا الصدد كشفت المعطيات الرسمية التي تم عرضها خلال اللقاء، أن نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف الإليكتروني تبلغ 13،8 في المائة لدى الفئات العمرية مابين 15 و 74 سنة، فيما ترتفع النسبة إلى ،
24،4 في المائة لدى الشابات مابين 15 و24 سنة، بينما تصل لدى الفتيات العازبات
إلى 30،1 في المائة وترتفع أكثر في صفوف التلميذات والطالبات بنسبة 35،7 في المائة،
وسجل المشاركون أن صعوبة التبليغ والخوف من التشهير والوصم الإجتماعي، ماتزال من أبرز العوامل التي تعيق مواجهة الظاهرة، رغم تعزيز الترسانة القانونية، خاصة بعد صدور القانون 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء سنة 2018، إلى جانب انخراط المغرب في الإتفاقيات الدولية ذات الصلة بمناهضة العنف والتميز القائم على النوع،
كما تم التأكيد على وجود إكراهات عملية مرتبطة ببطء المساطر، وصعوبة جمع الأدلة الرقمية، وغياب خلايا متخصصة ومؤهلة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم، إضافة إلى الحاجة لتكوين مختلف المتدخلين في المجال القضائي والأمني والتقني،
ونبه المتدخلون إلى أن الذكاء الإصطناعي، رغم إمكانياته الإيجابية، أصبح بدوره أذاة تستغل في ممارسة العنف الرقمي، عبر الخورزميات التي تساهم في إنتاج محتويات مزيفة، أو استغلال المعطيات الشخصية لأغراض التشهير والإبتزاز، مما يطرح إشكالات أخلاقية وقانونية جديدة مرتبطة بتحديد المسؤوليات والمحاسبة،
وخلصت أشغال المحكمة الرمزية إلى مجموعة من التوصيات، من أبرزها تعزيز المواكبة النفسية داخل المؤسسات، وتوفير آليات الإستماع والإحتضان، والمساعدة الفورية للضحايا، إلى جانب المطالبة بتفعيل الحق في النسيان الرقمي، بما يضمن حذف المحتويات السيئة وعدم استمرار تأثير أخطاء الماضي على حياة الضحايا ومستقبلهن،
كما دعا المشاركون إلى تطوير السياسات العمومية المتعلقة بالحماية الرقمية، وتقوية آليات الرصد والتدخل السريع، وتوظيف التكنولوجيا، والذكاء الإصطناعي بشكل إيجابي لحماية النساء بدل تحويله إلى أداة للعنف والتشهير والتدمير النفسي والإجتماعي.

التعليقات مغلقة.