حطاب الساعيد
قدّم التاريخ السياسي المغربي نماذج مشرّفة لرجال دولة يهود، خدموا وطنهم بإخلاص ونزاهة، بعيداً عن منطق المصالح الضيقة أو الحسابات الشخصية. ففي زمن تتعالى فيه أصوات التذمر من أداء النخب السياسية، ويزداد فيه الغضب الشعبي بسبب تكرار الفضائح والفساد وغياب الكفاءة، تبرز أسماء مثل أندري أزولاي، وسيرج بيرديغو، وأبراهام السرفاتي، كأمثلة حيّة على أن الوطنية لا تُقاس بالدين أو الانتماء، بل تُقاس بالفعل النزيه والضمير المهني.
عمل هؤلاء السياسيون في قلب الدولة المغربية دون أن تلاحقهم الشبهات أو تُسجّل ضدهم تجاوزات. لم يكونوا من الباحثين عن الأضواء أو متسلقي المناصب، بل اختاروا خدمة الوطن من مواقع مختلفة، بتواضع ومسؤولية.
فـأندري أزولاي، المستشار الملكي، لم يكن يوماً رجل صفقات أو صاحب طموحات سلطوية. دعم الثقافة، وروّج لرسالة التعددية والانفتاح، وجعل من وجوده في الديوان الملكي إضافة نوعية. اشتغل في الظل، وظل بعيداً عن الجدل، مكتفياً بأن يُترجم ولاءه للمغرب عبر الفعل لا الشعارات.
أما سيرج بيرديغو، فظل خلال فترة عمله الحكومي والدبلوماسي نموذجاً لرجل دولة منضبط، مارس مسؤولياته بوعي ونظافة يد. لم يدخل في لعبة الولاءات السياسية ولم يسعَ وراء النفوذ، بل حرص على أداء مهامه بجدية واحترام.
ويُعد أبراهام السرفاتي مثالاً فريداً لشخصية سياسية معارِضة عاشت السجن والنفي، لكنها بقيت وفية للمغرب. لم يتخلَّ عن جنسيته، وظل متمسكاً بمبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وحين عاد إلى الوطن، لم يبحث عن انتقام سياسي، بل واصل مسيرته كمستشار تقني، مساهماً في بناء الوطن من جديد.
تُذكّرنا هذه النماذج بأن السياسة ليست مرادفاً للامتيازات أو الريع، بل هي فنّ التضحية والعمل من أجل الصالح العام. وفي وقتٍ تتراجع فيه الثقة في المؤسسات، يفرض استحضار هذه التجارب نفسه كدرس أخلاقي وتاريخي، يوضح كيف يمكن للسياسي أن يكون خادماً حقيقياً للشعب والدولة، لا عبئاً عليهما.
لقد جسّد هؤلاء السياسيون اليهود المغاربة فكرة المواطنة الحقيقية، وبيّنوا أن خدمة الوطن لا تتطلب الانتماء لأغلبية دينية أو ثقافية، بل تتطلب ضميراً حياً وإرادة صادقة. حضورهم الصامت، وإن كان خارج دائرة التباهي، ترك أثراً عميقاً في مسار الدولة، وأثبت أن الكفاءة لا تعترف بالهوية بل بالمسؤولية.
في زمن الغموض والتشكيك، تظهر قيمة القدوة. وهؤلاء، رغم قلتهم، كانوا منارات مضيئة في تاريخ المغرب السياسي الحديث.

التعليقات مغلقة.