أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تحركات إسرائيل في القرن الإفريقي رسائل ضغط أم مقامرة إقليمية؟

جريدة أصوات

تتجه الأنظار إلى القرن الإفريقي، حيث برزت خلال الأسابيع الأخيرة تحركات إسرائيلية لافتة في إقليم أرض الصومال، وسط تكهنات بإمكانية إنشاء وجود عسكري إسرائيلي قرب مدخل البحر الأحمر. هذه التطورات لم تمر مرور الكرام، بل أثارت قلقاً مصرياً وعربياً متزايداً، نظراً لما تحمله من تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي وحركة الملاحة في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

تأتي هذه التحركات في ظل ضغوط داخلية غير مسبوقة تواجه حكومة بنيامين نتنياهو، على خلفية تداعيات الحرب في غزة، واتساع دائرة التوتر في البحر الأحمر وباب المندب. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أهداف إسرائيل الحقيقية من هذا المسار: هل هو سعي لتوسيع دوائر النفوذ العسكري؟ أم محاولة لتصدير الأزمات الداخلية وخلق أوراق ضغط جديدة في الإقليم؟

من زاوية عسكرية، يرى اللواء أركان حرب سمير فرج أن التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي تعكس توجهاً واضحاً نحو تصدير الأزمات الداخلية عبر افتعال بؤر توتر في مناطق شديدة الحساسية. ويؤكد أن التركيز على أرض الصومال يحمل أبعاداً استراتيجية خطيرة، نظراً لقرب الإقليم من مدخل البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

ويشدد فرج على أن مصر تعتبر البحر الأحمر وبوابته الجنوبية جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وهو موقف تشترك فيه قوى إقليمية مؤثرة مثل السعودية وتركيا. وأي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة، بحسب تعبيره، يمثل “خطاً أحمر” لا يمكن تجاهله، مشيراً إلى أن القاهرة تمتلك أدوات قانونية وترتيبات عسكرية كفيلة بحماية مصالحها الاستراتيجية، مع ترك طبيعة الرد رهناً بحجم ونوع التهديد المحتمل.

ويحذر اللواء فرج من أن فتح جبهة جديدة في القرن الإفريقي لن تكون تداعياته محصورة في دولة بعينها، بل قد يؤدي إلى إعادة خلط أوراق الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وباب المندب، بما ينعكس سلباً على استقرار الدول المطلة وحركة التجارة العالمية.

قانونياً، يوضح أستاذ القانون الدولي العام محمد محمود مهران أن أي اعتراف إسرائيلي بأرض الصومال كدولة مستقلة، أو إقامة وجود عسكري فيها دون موافقة الحكومة الصومالية الشرعية، يُعد انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. فالوحدة الإقليمية للصومال معترف بها دولياً، وأي تعامل مع كيان غير معترف به يمثل خرقاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

ويضيف مهران أن هذا المسار لا يفتح فقط باب النزاع السياسي، بل يؤسس لمواجهة قانونية قد تتطور إلى صراع أوسع، مؤكداً أن إصرار إسرائيل على المضي فيه يعني عملياً عبور خط أحمر استراتيجي. وفي حال شعرت مصر بتهديد مباشر لأمنها القومي أو لمصالحها الحيوية، فإن القانون الدولي – وتحديداً المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة – يجيز لها اتخاذ إجراءات دفاعية لحماية أمنها.

حتى الآن، اختارت القاهرة التعامل مع هذه التطورات بمنهج دبلوماسي حذر، عبر رسائل واضحة تؤكد رفض أي مساس بأمن البحر الأحمر أو فرض واقع عسكري جديد في المنطقة. غير أن مراقبين يرون أن استمرار التصعيد أو تحول التحركات الإسرائيلية إلى وجود فعلي على الأرض قد يدفع إلى تغيير قواعد التعامل.

في المحصلة، يبدو أن القرن الإفريقي بات ساحة اختبار جديدة لتوازنات إقليمية دقيقة. وبين حسابات إسرائيل الداخلية، ومخاوف مصر والدول العربية، يبقى البحر الأحمر وباب المندب في قلب المعادلة، باعتبارهما خطاً حيوياً لا يحتمل المغامرة أو سوء التقدير.

التعليقات مغلقة.