تعيش جماعة تسلطانت، خلال السنوات الأخيرة، تحولات عمرانية واستثمارية متسارعة، تزامناً مع الإعلان عن مشاريع كبرى واستثمارات تمتد على مجالها الترابي، غير أن هذه الدينامية تطرح في المقابل عدداً من الأسئلة حول مدى استفادة مختلف فئات الساكنة من ثمار هذا التطور، خاصة في عدد من الدواوير التي ما تزال تواجه خصاصاً في خدمات وتجهيزات أساسية.
ففي الوقت الذي تحتضن فيه المنطقة مشاريع واستثمارات تتطلب توفير مختلف البنيات والتجهيزات والضمانات والمساطر، لا تزال مطالب عدد من المواطنين تتمحور حول قضايا تبدو أكثر بساطة وإلحاحاً، من قبيل التزود بالماء والكهرباء، والتطهير السائل، والربط المؤقت بالكهرباء، فضلاً عن رخص ترميم المنازل.
وتطرح هذه الوضعية إشكالية العدالة المجالية داخل الجماعة، إذ يجد المواطن نفسه أمام مفارقة تتمثل في سرعة إنجاز بعض المشاريع الكبرى، مقابل استمرار تعثر أو تأخر مطالب يومية مرتبطة بظروف العيش والخدمات الأساسية.
إلى جانب ملف التجهيزات، يبرز التواصل بين المنتخبين والساكنة باعتباره أحد أبرز التحديات المطروحة في المرحلة الحالية. فالمواطن، وفق ما تعكسه المطالب المتداولة، لا يبحث فقط عن الوعود أو الخطابات، وإنما ينتظر قنوات واضحة للتواصل، وإجابات محددة حول الملفات التي يطرحها، ومعرفة الجهة المسؤولة عن معالجة كل مطلب والآجال المرتقبة لذلك.
وتزداد أهمية هذا التواصل عندما يتعلق الأمر بمسؤولين منتخبين راكموا سنوات من التجربة، سواء داخل المؤسسة البرلمانية أو على مستوى تدبير الشأن المحلي، حيث تصبح انتظارات المواطنين أكبر، كما تصبح المطالبة بالمحاسبة وتتبع الملفات شأناً مشروعاً في إطار العلاقة الطبيعية بين المنتخب والناخب.
ويُنظر إلى صعوبة الوصول إلى المسؤول أو عدم الحصول على إجابات بشأن بعض الشكايات باعتبارها عاملاً قد يساهم في اتساع فجوة الثقة. ولذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى اعتماد نموذج أكثر انتظاماً في التواصل، يقوم على عقد لقاءات دورية مع سكان الدواوير، وتوفير قنوات واضحة لتلقي الشكايات، مع تقديم أجوبة محددة وتوضيح آجال معالجة الملفات.
لا يتعلق النقاش المطروح في تسلطانت برفض المشاريع والاستثمارات أو التشكيك في أهميتها، بقدر ما يرتبط بالسؤال حول كيفية تحويل هذه الدينامية إلى فرصة يستفيد منها المجال الترابي بمختلف مكوناته.
فالجماعة التي تتغير ملامحها بسرعة بفعل المشاريع العمرانية والاستثمارية مطالبة، في المقابل، بضمان عدم اتساع الفوارق بين المناطق التي تستفيد من هذه التحولات والمناطق التي لا تزال تنتظر خدمات أساسية.
ومن هذا المنطلق، تبرز العدالة المجالية باعتبارها أحد المعايير الأساسية لقياس نجاح التنمية المحلية، ليس فقط من خلال حجم الاستثمارات والمشاريع، وإنما أيضاً من خلال أثرها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
تجد تسلطانت نفسها أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات العمرانية والاستثمارية مع مطالب اجتماعية وخدماتية متزايدة، ما يجعل تدبير المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة المنتخبين على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار والاستجابة للحاجيات الأساسية للساكنة.
فالانتخابات، كما يرى كثير من المتابعين للشأن المحلي، لا تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ بعدها مسؤولية تدبير الشأن العام والاستماع إلى المواطنين وتتبع الملفات والاستجابة للمطالب في حدود الاختصاصات والإمكانات المتاحة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز في تسلطانت: كيف يمكن تحويل المشاريع الكبرى والاستثمارات المتزايدة إلى رافعة لتنمية يستفيد منها الجميع، بدل أن تظل بعض الدواوير تنتظر الماء والكهرباء والتطهير ورخص الترميم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، إلى جانب تحسين التواصل مع الساكنة، ستكون من أبرز معايير تقييم المرحلة المقبلة، ومدى نجاح الجماعة في بناء علاقة تقوم على الثقة والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة.

التعليقات مغلقة.