مراكش – اختتمت بمدينة مراكش، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان الملحون والأغنية الوطنية، الذي امتد من 21 إلى 24 أكتوبر، ببرنامج جمع بين السهرات الفنية واللقاءات العلمية، احتفاءً بفن الملحون باعتباره أحد روافد التراث الثقافي المغربي.
واحتضنت المكتبة الرقمية لجامعة القاضي عياض الندوة العلمية الختامية، التي نظمت تحت عنوان «من شعرية القصيدة إلى جمالية الفرجة»، بمشاركة باحثين ومهتمين بفن الملحون، ناقشوا الأبعاد الجمالية والدرامية والموسيقية للقصيدة الملحونة، وإمكانات انتقالها من فضاء الإنشاد إلى خشبة المسرح.
وافتتح الدكتور مصطفى لعريصة، مدير المكتبة الرقمية، أشغال الندوة نيابة عن رئيس جامعة القاضي عياض، مؤكداً اهتمام الجامعة، بأساتذتها وطلبتها، بفن الملحون. كما أشار إلى وجود نادٍ جامعي يعنى بهذا الفن، معلناً التوجه نحو التنسيق مع المؤسسات الجهوية والمنتخبة من أجل إحداث كرسي للملحون، بما يسهم في التعريف بتراثه الشعري والفني وتعزيز البحث الأكاديمي فيه.
وسير أشغال الندوة عبد الحق ميفراني، مدير دار الشعر بمراكش، حيث توزعت المداخلات بين تقاطعات الملحون والمسرح، وخصائص الحوار والشخصيات، وآليات صناعة الفرجة، فضلاً عن دور الموسيقى والأداء في نقل القصيدة إلى الفضاء الركحي.
الملحون والمسرح.. إمكانات إبداعية متجددة
وتناول الشيخ مصطفى الخليفي، من مدينة مكناس، العلاقة بين الملحون والمسرح، مستحضراً نماذج من القصائد التي تتضمن حوارات وشخصيات وأحداثاً قابلة للتجسيد فوق الخشبة، وفي مقدمتها قصيدة «الحراز»، التي شكلت إحدى أبرز التجارب في هذا المجال.
كما استعرض نماذج أخرى تتعدد فيها الشخصيات ويتخذ الحوار منحى درامياً، إلى جانب قصائد تتضمن صراعات رمزية، من بينها أعمال مولاي إسماعيل السلسولي.
من جهته، شدد الدكتور حسن البحراوي على أن حضور الحوار والنزاع داخل القصيدة لا يجعل منها بالضرورة نصاً مسرحياً متكاملاً، موضحاً أن البناء الدرامي يستلزم توافر عناصر أساسية، تشمل وحدة الحدث وتماسك الشخصيات وتنظيم الصراع.
واستحضر البحراوي تجارب مسرحية مستوحاة من قصيدة «الحراز»، من بينها تجربة فرقة الوفاء سنة 1967، بإخراج عبد السلام الشرايبي، إلى جانب محاولات لاحقة لتطوير بنائها الدرامي وإغناء الصراع بين شخصياتها، وصولاً إلى تجربة عز الدين الميهوبي سنة 2025، وفق ما ورد في مداخلته.
وخلص إلى أن قصائد الملحون، وإن لم تكن نصوصاً مسرحية جاهزة بالضرورة، فإنها توفر مادة غنية للاشتغال الدرامي، بفضل ما تختزنه من حوار وصراع وشخصيات وإمكانات للتشخيص.
قصيدة «الديجور» بين المعاناة والفرجة
وتوقف الدكتور أحمد زنيبر عند قصيدة «الديجور»، من خلال مقارنة تناول الشيخ التهامي المدغري لها بإعادة تقديمها لدى أحمد سهوم، مبرزاً اختلاف الرؤية والدلالة بين التجربتين.
وأوضح أن قصيدة المدغري تستثمر مشاهد مرتبطة بأجواء الليل، الذي يحضر باعتباره سلطة قائمة بذاتها، بما تحمله من هيبة وجيش ونفوذ، ضمن بناء تتداخل فيه المحاكمة والاحتفال والشكوى والحوار والفرجة.
في المقابل، أعاد أحمد سهوم تناول الموضوع في أفق معاصر، محمّلاً إياه دلالات نفسية واجتماعية ترتبط بالبؤس والقلق والأزمات الإنسانية.
وأبرزت المقارنة، بحسب المداخلة، قدرة قصيدة الملحون على تجاوز الحكاية المباشرة لتصبح وسيلة للتعبير عن تحولات المجتمع وانشغالات الإنسان، مع اختلاف الخلفيات الفنية والفكرية للشاعرين.
الحوار والشخصيات في صناعة الفرجة
من جانبه، ركز الدكتور محمد أبو سيف على آليات صناعة الفرجة في القصيدة الملحونة، من خلال حضور الحوار وتعدد الشخصيات وطريقة مخاطبة الجمهور واستدراجه إلى الإنصات والتفاعل.
وتطرق إلى أشكال شعرية تقوم على المناجاة والمديح والتوسل، وأخرى تعتمد الحوار المباشر بين شخصيات دينية أو متخيلة، بما يمنح القصيدة حيوية سردية وإمكانات متنوعة للتشخيص.
واستحضر في هذا السياق قصيدة «المرسول» لأحمد الغرابلي، إلى جانب نماذج أخرى تتميز بتعدد الشخصيات وتنوع القضايا التي تعالجها، مؤكداً ما يتيحه هذا المتن الشعري من إمكانات إبداعية يمكن استثمارها في تجارب مسرحية مختلفة.
من الكناش إلى الركح.. الموسيقى والأداء
وفي مداخلة حول انتقال قصيدة الملحون من الكناش إلى الركح، سلط الدكتور أنس الملحوني الضوء على التفاعل بين الإيقاع والموسيقى والأداء المسرحي، وما يتطلبه هذا التحول من استيعاب لخصوصيات النص الملحوني.
وتناول تنوع البحور والإيقاعات والمقامات الموسيقية، من قبيل الرصد البياتي والحجاز ومكسور الجناح والكباحي، ودورها في إغناء التعبير الفني وتوسيع إمكانات التفاعل بين الممثل والمتلقي.
كما أكد أهمية إتقان الممثل للغة الملحون ومعجمها وخصوصيات النطق والأداء، مميزاً بين الإنشاد والتمثيل فوق الخشبة، باعتبار أن التجسيد المسرحي يتطلب التحكم في الإيقاع والتنفس والطبقات الصوتية، إلى جانب امتلاك الكفايات الدرامية والجسدية والقدرة على التفاعل مع باقي عناصر العرض.
وأشار إلى أن الاهتمام بالجانب الموسيقي والأدائي للقصيدة، وتضافر جهود الممثل والمخرج والموسيقي، من شأنه فتح آفاق جديدة أمام توظيف الملحون في المسرح، مستحضراً تأثير هذا الفن في تجارب غنائية مغربية، من بينها تجربة مجموعتي جيل جيلالة وناس الغيوان.
جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد.. جهود في صون التراث
وشكلت الدورة الحادية عشرة مناسبة للتنويه بالدور الذي تضطلع به جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد في الحفاظ على فن الملحون وصون ذاكرته الفنية والشعرية، من خلال تنظيم مهرجان يجمع بين إحياء السهرات الفنية وتعزيز النقاش العلمي حول هذا الموروث الثقافي.
ويبرز انفتاح الجمعية على البحث الأكاديمي باعتباره مدخلاً أساسياً لتوثيق التراث الملحوني ودراسة أبعاده الأدبية والجمالية والموسيقية، ونقل معارفه إلى الأجيال الجديدة.
وبهذا التوجه، يرسخ المهرجان أهمية الانتقال من الاحتفاء الموسمي بفن الملحون إلى مقاربة ثقافية مستمرة تقوم على البحث والتوثيق والتجديد، بما يعزز مكانته ضمن الذاكرة الفنية المغربية ويفتح أمامه آفاقاً جديدة للتعبير والإبداع.

التعليقات مغلقة.