شهدت مدينة سلا، من خلال تنظيم جمعية “أبي رقراق”، انطلاقة فعاليات مهرجانها الدولي لفيلم المرأة، الذي أصبح محطة سنوية بارزة تحتفي بالإبداع السينمائي النسائي وتكرّس في الوقت ذاته النقاش حول قضايا المساواة والتمثيل الثقافي. المهرجان، الذي يلتقي فيه المبدعون من داخل المغرب وخارجه، لم يعد مجرد مناسبة فنية عابرة، بل تحوّل إلى منصة حوار حضاري تسعى إلى إعادة الاعتبار لصوت المرأة في صناعة السينما وفي المجتمع ككل.
الحضور الجماهيري والإعلامي الكثيف يعكس المكانة التي بات المهرجان يحتلها في المشهد الثقافي الوطني. فالأفلام المعروضة لا تقتصر على تقديم قصص إنسانية، بل تحمل في طياتها رسائل عميقة تتناول قضايا النساء في علاقتها بالعدالة الاجتماعية والحرية الفردية والهوية الثقافية. من هنا تتجاوز السينما بعدها الفني لتتحول إلى أداة للتوعية والتغيير الاجتماعي.
تحرص جمعية “أبي رقراق”، المنظمة للتظاهرة، على جعل المهرجان فضاءً للتنوع والانفتاح، حيث تُعرض أعمال من مختلف القارات، بما يتيح مقارنة التجارب وتبادل الرؤى حول ما تعانيه النساء من تحديات متشابهة وإن اختلفت السياقات. وهذا البعد الكوني يعزز من قيمة المهرجان ويجعله رافعة لحوار ثقافي يتجاوز الحدود.
غير أن الأهمية الحقيقية للتظاهرة تكمن في كونها تراهن على الشباب، من خلال ورشات تكوينية ولقاءات مفتوحة تتيح للأجيال الصاعدة التعرف على مهن السينما وتحدياتها. هذه المقاربة تجعل من المهرجان مدرسة مفتوحة تسهم في تكوين رصيد بشري قادر على الاستمرار في تطوير الصناعة السينمائية الوطنية.
على المستوى التحليلي، يمكن القول إن مهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة يندرج ضمن دينامية ثقافية أوسع يعرفها المغرب، تروم تعزيز صورة البلاد كفضاء للإبداع والتنوع. فالسينما هنا ليست مجرد ترفيه، بل جزء من مشروع مجتمعي يروم تكريس قيم الانفتاح والديمقراطية الثقافية. وفي عالم يزداد فيه التوتر بين الهويات والانغلاق، يمثل هذا المهرجان رسالة واضحة مفادها أن المغرب يصر على تقديم نموذج بديل قائم على التعايش وتقدير دور المرأة في جميع المجالات.
إن استمرار هذا المهرجان، وتطوره دورة بعد أخرى، يثبت أن الرهان على الثقافة والفن كوسيلة لمواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية رهان صائب. فالفيلم، بما يحمله من قوة رمزية، قادر على طرح الأسئلة الحارقة، وعلى تحفيز النقاش العمومي حول قضايا قد تُعتبر من الطابوهات. وهنا يبرز الدور الريادي لمهرجان سلا في جعل المرأة ليست مجرد موضوع للأفلام، بل فاعلة في صياغة سرديات جديدة عن ذاتها وعن المجتمع.
بهذا المعنى، يغدو مهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة أكثر من احتفالية فنية؛ إنه إعلان متجدد عن إيمان راسخ بقوة الثقافة في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، وفي جعل الفن أداة لتجسيد المساواة والعدالة الاجتماعية، بما يعزز صورة المغرب كبلد يضع المرأة في قلب مشروعه التنموي والحضاري.
التعليقات مغلقة.