دخلت النرويج مرحلة ملكية جديدة مع اعتلاء ولي العهد الأمير هاكون الثامن، البالغ من العمر 53 عاما، عرش البلاد عقب وفاة والده الملك هارالد الخامس، في ظرف دقيق تواجه خلاله المؤسسة الملكية ضغوطاً متزايدة واهتماماً إعلامياً واسعاً بسبب سلسلة من القضايا التي أثرت على صورتها لدى الرأي العام.
ولا تقتصر مهمة الملك الجديد، في ظل هذه الظروف، على ممارسة اختصاصاته الدستورية والوفاء بالتزاماته البروتوكولية، بل تمتد أيضاً إلى مواجهة تحد أكبر يتمثل في تعزيز الثقة في المؤسسة الملكية والحفاظ على مكانتها داخل المجتمع النرويجي.
وحسب ما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”، اختار الملك هاكون الإبقاء على الشعار الملكي الذي حمله والده وأجداده، وهو: “كل شيء من أجل النرويج”، في تأكيد على استمرارية التقاليد الملكية. كما باشر مهامه الرسمية بعقد أول اجتماع له مع وزراء الحكومة في العاصمة أوسلو، في خطوة عكست الانتقال الرسمي للمسؤوليات إليه عقب وفاة والده.
ويواجه العاهل الجديد إرثا عائليا معقدا، إذ تعرضت الأسرة الملكية النرويجية خلال الفترة الأخيرة لتدقيق إعلامي واسع، خاصة على خلفية الجدل الذي أثارته مراسلات زوجته الملكة ميته ماريت الإلكترونية مع رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين.
وكانت ميته ماريت قد أقرت، خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون النرويجية العامة في مارس الماضي، بأنها لم تتحقق بشكل كاف من خلفية إبستين، معربة عن تحملها مسؤولية ما وصفته بتعرضها للتلاعب والخداع.
وأثارت هذه القضية، وفق ما نقلته الصحيفة الأميركية، تساؤلات وانتقادات بشأن تعامل أفراد الأسرة الملكية مع شخصيات مثيرة للجدل، ما زاد من حدة الضغوط الإعلامية والشعبية المحيطة بالمؤسسة الملكية.
ولم تتوقف القضايا المثيرة للجدل عند هذا الحد، إذ برز أيضا اسم ماريوس بورغ هويبي، نجل ميته ماريت، في قضية حظيت باهتمام واسع، بعدما صدر بحقه حكم بالسجن لمدة أربع سنوات عقب إدانته بتهمتي اغتصاب، إلى جانب اتهامات أخرى مرتبطة بالعنف الأسري وجرائم المخدرات ومخالفات أخرى.
ورغم أن هويبي ليس عضوا رسميا في العائلة المالكة، فإن ارتباطه بها اجتماعيا منذ زواج والدته من ولي العهد آنذاك الأمير هاكون سنة 2001 منح القضية أبعادا سياسية وإعلامية كبيرة، خصوصاً في ظل تشديد الادعاء على مبدأ المساواة أمام القانون، بعيداً عن أي اعتبارات مرتبطة بالانتماء العائلي.
وقد ساهمت هذه التطورات مجتمعة في زيادة الضغوط على الأسرة الملكية، لتضع الملك هاكون الثامن أمام تحديات غير مباشرة تتعلق بالحفاظ على صورة المؤسسة الملكية واستعادة الثقة في أدائها ومكانتها لدى النرويجيين.
ومع ذلك، فإن الملك الجديد لا يدخل هذه المرحلة من دون تجربة سابقة في ممارسة مسؤوليات الحكم، إذ سبق له، خلال السنوات الأخيرة، أن تولى في مناسبات عدة مهام والده بسبب تدهور وضعه الصحي. كما شغل بصورة مؤقتة منصب الوصي على العرش عندما كان الملك هارالد الخامس يتلقى العلاج في المستشفى من فقر الدم الانحلالي خلال الفترة التي سبقت وفاته.
ومنحت هذه التجربة هاكون معرفة عملية بطبيعة المسؤوليات الملكية، وقد تساعده على الانتقال بسلاسة إلى موقع رأس الدولة، في مرحلة تبدو فيها المؤسسة الملكية النرويجية مطالبة ليس فقط بالحفاظ على تقاليدها التاريخية، بل أيضاً بمواجهة تداعيات الأزمات والجدل الذي رافقها خلال الفترة الأخيرة.
وبين استمرارية الإرث الملكي والرغبة في فتح صفحة جديدة، يجد الملك هاكون الثامن نفسه أمام بداية عهد لا تخلو من التحديات، حيث سيكون نجاحه في إدارة هذه المرحلة عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل صورة ومكانة الملكية النرويجية خلال السنوات المقبلة.

التعليقات مغلقة.