يبدو الزمن من أكثر المفاهيم ألفة في حياة الإنسان، ومع ذلك فهو من أكثرها إثارة للغموض. فنحن نتحدث عنه بصورة يومية كما لو كان شيئاً واضحاً وماثلاً: نقول إن الزمن مرّ، وإن الأيام تتقدم، وإن الماضي ابتعد، وإن المستقبل يقترب، وإن الزمن يتسارع أو يتباطأ. غير أن هذه اللغة المألوفة قد تخفي سؤالاً أكثر عمقاً: هل الزمن موجود فعلاً بوصفه كياناً مستقلاً في العالم، أم أن ما نسميه «الزمن» ليس سوى الطريقة التي ينظم بها العقل تعاقب الأحداث والتغيرات؟
منذ الفلسفة اليونانية، ظل الزمن موضوعاً مفتوحاً للنقاش. فقد ارتبط عند أرسطو بالحركة والعدد، ثم دخل في تصورات ميتافيزيقية ولاهوتية مختلفة، قبل أن يتحول مع تطور العلم الحديث إلى عنصر أساسي في بناء القوانين الفيزيائية. ومع نيوتن ظهر تصور للزمن بوصفه مطلقاً ومنتظماً، ثم جاءت النسبية عند أينشتاين لتعيد صياغة العلاقة بين الزمن والمكان والحركة والمراقب. وهكذا تغيرت صورة الزمن مرات عديدة، لكن شيئاً واحداً بقي حاضراً: الإنسان يتعامل مع الزمن كما لو أنه جزء مستقل من بنية العالم.
غير أن هناك إمكانية أخرى للنظر إلى المسألة، تبدأ من نقطة مختلفة تماماً: بدلاً من السؤال عن ماهية الزمن في الخارج، يمكن أن نسأل أولاً عن كيفية ظهوره في الوعي.
فالإنسان لا يرى الزمن كما يرى حجراً أو شجرة أو جسداً. لا يستطيع أن يضع يده عليه، ولا أن يحدد له شكلاً أو لوناً أو وزناً. ما نراه في الواقع هو الأشياء وهي تتغير، والأحداث وهي تتعاقب، والأجسام وهي تتحرك، والحالات وهي تنتقل من صورة إلى أخرى. أما الزمن بوصفه مفهوماً مستقلاً، فلا يظهر للحواس بالطريقة التي تظهر بها الموجودات.
نحن لا نرى «الماضي» وإنما نتذكر أحداثاً وقعت. ولا نرى «المستقبل» وإنما نتوقع أحداثاً لم تقع بعد. وحتى «الحاضر» ليس جسماً قائماً أمامنا، بل هو صيغة ذهنية نستخدمها للإشارة إلى اللحظة التي نعيش فيها ونعيها. ومن هنا يمكن القول إن التقسيم إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل يعكس قبل كل شيء طريقة الوعي في تنظيم التجربة.
إن الطفل لا يولد وهو يحمل في ذهنه تصوراً مكتمل البنية عن الزمن. ومع نمو إدراكه يبدأ في التمييز بين ما وقع وما يقع وما يمكن أن يقع، ويتعلم معنى الانتظار والتذكر والتوقع، ثم تتسع قدرته على تقدير المدد وربط الأحداث ببعضها. وبذلك لا يظهر الزمن في الوعي دفعة واحدة، وإنما يتشكل تدريجياً مع تطور الذاكرة والقدرة على المقارنة والتوقع والتجريد.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين التغير ومفهوم الزمن التغير يحدث، والحركة تحدث، والأحداث تقع، سواء وُجد الإنسان ليدركها أم لم يوجد. الأرض تدور، والنجوم تتحرك، والكائنات تنمو وتفنى، والتفاعلات الفيزيائية تجري وفق قوانينها. الطبيعة لا تحتاج إلى أن تكون واعية بمفهوم الزمن حتى تستمر عملياتها.
لكن الإنسان، عندما يلاحظ هذه التحولات، يحتاج إلى تنظيمها ذهنياً. فيقول: هذا حدث قبل ذاك، وهذا أطول من ذاك، وهذا وقع منذ مدة، وهذا سيحدث لاحقاً. ومن هذه القدرة على ترتيب الوقائع تنشأ الحاجة إلى مفهوم الزمن.
بهذا المعنى، قد لا يكون الزمن هو الذي «يجري»، وإنما نحن الذين نلاحظ جريان الأحداث ونصف تعاقبها بلغة زمنية.
وهذه النقطة تساعد على فهم كثير من التعبيرات التي أصبحت راسخة في اللغة. فعندما نقول «مرّ الزمن»، فإن الذي تغير فعلياً هو العالم من حولنا وحالتنا داخله. وعندما نقول «المستقبل يقترب»، لا يعني ذلك وجود شيء اسمه المستقبل يتحرك نحونا، بل إن أحداثاً نتوقع حدوثها تصبح أقرب إلى لحظة إدراكنا لها. وعندما نقول «الماضي يبتعد»، فإن الأحداث السابقة لا تتحرك إلى مكان آخر، وإنما تصبح أبعد عن لحظة الحاضر في ترتيب ذاكرتنا اللغة هنا لا تصف بالضرورة طبيعة الأشياء كما هي، بل تمنح التجربة الإنسانية صوراً قابلة للفهم والتداول.
ولا يعني ذلك أن الزمن وهم أو أن العلم أخطأ في التعامل معه. هذه نتيجة متسرعة لا تستقيم. فقياس الزمن وتنظيمه واستخدامه في القوانين العلمية أمور حقيقية وذات نتائج دقيقة للغاية. الساعات تعمل، والتقاويم تنظم الحياة، والقياسات الزمنية تدخل في التجارب الفيزيائية والهندسية والفلكية، والنماذج العلمية التي تتضمن الزمن تحقق قدرة هائلة على تفسير الظواهر والتنبؤ بها لكن نجاح استخدام مفهوم ما في العلم لا يعني بالضرورة أن المفهوم نفسه كائن مستقل.
فالرياضيات، مثلاً، تستخدم الأعداد والمجموعات والعلاقات لبناء نماذج دقيقة للواقع، لكن هذا لا يعني أن كل مفهوم رياضي يتحول بمجرد استخدامه إلى جسم مادي موجود في الطبيعة. وبالمثل، يمكن للعلم أن يستخدم الزمن باعتباره متغيراً أساسياً في وصف الظواهر، من دون أن يكون مضطراً إلى التعامل معه كشيء يشبه الأشياء المادية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المفهوم والواقع الذي نصفه بالمفهوم عندما نقيس مدة سقوط جسم، فإن الجسم يسقط فعلاً، ونحن نستخدم أدوات ومعايير زمنية لتحديد المدة التي استغرقها سقوطه. وعندما نرصد حركة كوكب، فإن الكوكب يتحرك فعلاً، بينما الزمن هو أحد الأطر التي نستخدمها لوصف تلك الحركة ومقارنتها بغيرها. فالحدث ليس هو المفهوم الذي نصف به الحدث.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة التحولات التي عرفتها الفيزياء. فعندما أثبتت النسبية أن القياسات الزمنية ليست واحدة لدى جميع المراقبين في جميع الظروف، لم يكن ذلك بالضرورة اكتشافاً لـ«مادة الزمن»، وإنما اكتشافاً عميقاً في العلاقات التي تحكم القياس والحركة والمكان والطاقة والجاذبية. لقد تغيرت الصورة العلمية للزمن، لكن السؤال الفلسفي عن طبيعة المفهوم ظل مفتوحاً.
بل إن تطور الفيزياء نفسها يبين خطورة التعامل مع المفاهيم العلمية كما لو كانت أشياء بسيطة ومستقلة. فالعلم لا يعمل دائماً من خلال اكتشاف أجسام جديدة، وإنما يبني أيضاً علاقات ونماذج ومقاييس تساعد على وصف انتظامات العالم. وما نسميه زمناً قد يكون، من هذه الزاوية، جزءاً من شبكة مفاهيمية واسعة تستخدم لفهم التغير والعلاقات بين الأحداث.
أما الوعي، فإنه يؤدي دوراً مركزياً في تحويل التعاقب إلى تجربة زمنية فالذاكرة لا تعمل باعتبارها مخزناً محايداً للأحداث فقط، وإنما ترتب الخبرات ضمن علاقات من قبيل السابق واللاحق. والتوقع بدوره يسمح للإنسان ببناء صورة لما لم يحدث بعد. ومن خلال الجمع بين الذاكرة والإدراك والتوقع يصبح الإنسان قادراً على بناء امتداد ذهني يربط التجارب بعضها ببعض.
ولهذا فإن الزمن، وفق هذا التصور، لا يكون مجرد أداة لقياس الخارج، بل يصبح جزءاً من طريقة الإنسان في فهم نفسه.
فالإنسان لا يعرف نفسه من خلال اللحظة الحالية وحدها. إنه يحمل تاريخاً شخصياً، ويتذكر ما كان عليه، ويفسر حاضره على ضوء تجاربه السابقة، ويخطط لما يريد أن يكون عليه لاحقاً. إن مفهوم الزمن هنا يدخل في صميم الهوية والذاكرة والمسؤولية والتخطيط والانتظار.
ومن دون هذا البعد الزمني يصبح من الصعب تصور كثير من المفاهيم الإنسانية. فالندم يتصل بالماضي، والوعد يتجه نحو المستقبل، والخبرة تتراكم عبر التعاقب، والتعلم يقوم على انتقال الإنسان من حالة معرفية إلى أخرى. ولذلك لا يمكن النظر إلى الزمن باعتباره مجرد وحدة قياس تستخدمها الساعات؛ إنه أيضاً طريقة لتنظيم الوعي لتجربته الخاصة.
ومع ذلك، فإن الإنسان، بعد أن صنع المفهوم واحتاج إليه، بدأ يتعامل معه كما لو أنه موجود بصورة مستقلة. وهذه ظاهرة مألوفة في تاريخ الفكر. فالإنسان يمنح أسماء للأشياء والظواهر والعلاقات، ثم يبدأ تدريجياً في التعامل مع الأسماء باعتبارها كيانات قائمة بذاتها.
وقد يحدث الأمر نفسه مع مفاهيم مثل الحرية والعدالة والخوف والسلطة والأخلاق. لا أحد يستطيع أن يضع «العدالة» على طاولة، ومع ذلك يمكن أن تكون موضوعاً للفلسفة والقانون والسياسة. ولا يمكن رؤية «الخوف» كجسم مستقل، ومع ذلك يمكن دراسته وفهم آثاره النفسية والاجتماعية. إن عدم مادية المفهوم لا تمنع أن تكون له قيمة معرفية أو أن تترتب عليه نتائج واقعية.
ومن هنا لا ينبغي أن يتحول القول بأن الزمن مفهوم ذهني إلى إنكار للظواهر التي نقيسها بواسطته. القضية أكثر دقة من ذلك. فالتغير واقع، والحركة واقع، والتعاقب الذي نرصده في الظواهر واقع، والقياسات العلمية التي نستخدمها لوصفها ذات قيمة عملية ونظرية؛ أما السؤال فهو: هل ينبغي أن نضع كل ذلك تحت اسم «الزمن» ثم نفترض أن هذا الاسم يشير بالضرورة إلى كيان مستقل؟
قد تكون الإجابة بحاجة إلى قدر من التحفظ.
فالعلم يستطيع أن يقول لنا كيف تتغير القياسات الزمنية في ظروف مختلفة، وكيف ترتبط بالمكان والحركة والجاذبية، وأن يقدم نماذج رياضية شديدة الدقة. لكنه لا يحسم وحده السؤال الفلسفي المتعلق بما إذا كان الزمن موجوداً كجوهر مستقل أم أن وجوده مرتبط بالبنية التي نصف بها العالم.
لهذا فإن السؤال الأكثر إنتاجاً ربما ليس: «أين يوجد الزمن؟»، بل: «ما الذي نقصده عندما نستعمل كلمة الزمن؟».
هل نقصد تعاقب الأحداث؟ أم قياس المدد؟ أم ترتيب الوقائع؟ أم بنية رياضية تدخل في وصف الكون؟ أم تجربة داخلية يعيشها الوعي؟ أم شيئاً يتجاوز كل هذه المعاني؟
قد تكون المشكلة الأساسية أننا نجمع هذه المعاني المختلفة في كلمة واحدة، ثم نتعامل معها كما لو كانت تشير دائماً إلى الشيء نفسه.
إن إعادة النظر في الزمن من هذه الزاوية لا تلغي الفلسفة ولا الفيزياء، بل تفتح أمامهما مجالاً آخر للتساؤل. فالفلسفة تستطيع أن تبحث في معنى الزمن وحدود المفهوم، والفيزياء تستطيع أن تدرس العلاقات القابلة للقياس التي ترتبط به، وعلم النفس يستطيع أن يدرس كيفية تشكل الإحساس بالمدة والتعاقب، وعلم الأعصاب يستطيع أن يبحث في الآليات التي تجعل الدماغ قادراً على ترتيب الخبرة زمنياً.
وهكذا يصبح الزمن نقطة التقاء بين أكثر من مستوى من مستويات المعرفة.
إن القول بأن الزمن مفهوم لا يعني أنه عديم الأهمية، بل ربما يعني العكس تماماً. فبعض أكثر المفاهيم تأثيراً في حياة الإنسان ليست أشياء مادية، وإنما أدوات ذهنية مكّنته من فهم العالم وتنظيم حياته وبناء علومه.
فالإنسان لم يخترع دوران الأرض ولا تعاقب الليل والنهار ولا حركة الأجرام، لكنه اخترع طرقاً لقياس هذه التحولات، ووضع لها أسماء ووحدات وتقسيمات، وحوّل التجربة المتغيرة إلى نظام قابل للفهم والحساب.
ومن هنا يمكن النظر إلى الزمن لا باعتباره «كائناً» يسير في مكان مجهول، بل باعتباره مفهوماً بالغ العمق نشأ من حاجة الإنسان إلى فهم التغير وترتيب الخبرة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
وربما تكون المفارقة الكبرى أن الإنسان، بعدما صنع هذا المفهوم ليسيطر معرفياً على تعاقب الأحداث، بدأ يشعر بأن المفهوم نفسه يسيطر عليه؛ فأصبح يقول إن الزمن يطارده، وإنه يسرقه، وإنه يشيخ بسببه، وإنه ينتظر الزمن المناسب.
لكن الزمن لا ينتظر ولا يطارد ولا يتذكر.
الإنسان هو الذي ينتظر، ويتذكر، ويتوقع، ويقيس، ويمنح التعاقب معنى ومن هذه النقطة تحديداً يمكن أن يبدأ التفكير المختلف في الزمن: ليس بوصفه شيئاً نبحث عن مكانه في الكون، وإنما بوصفه مفهوماً يكشف لنا، بقدر ما يكشف عن العالم، عن الطريقة التي يعمل بها وعينا وهو يحاول أن يمنح العالم ترتيباً ومعنى.

القادم بوست
التعليقات مغلقة.