أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

100 مليار درهم خارج الدورة الاقتصادية

جريدة أصوات

كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن رقم وصفه بالصادم: نحو 100 مليار درهم تتحرك خارج الدورة الاقتصادية الوطنية، نتيجة ما سماه بـ”النصب المرتبط بالديون المستعصية”. رقم بهذا الحجم لا يعكس فقط خللاً مالياً، بل يطرح تساؤلات عميقة حول بنية النظام القضائي والاقتصادي، وحول أسباب استمرار هذه الظاهرة رغم التحذيرات المتكررة.

الوزير لم يكتفِ بعرض الرقم، بل أشار إلى أحد أبرز مكامن الخلل: فوضى الخبرة القضائية. هذه الآلية التي يُفترض أن تكون أداة تقنية لمساعدة القضاة في إصدار الأحكام، تحولت في كثير من الحالات إلى عنصر تعطيل يطيل أمد النزاعات، ويُربك مسار العدالة. فبدل أن تُحسم الملفات في آجال معقولة، يتم اللجوء إلى خبرات متعددة ومتضاربة، ما يفتح المجال أمام تأجيل الأداء، وإعادة تقييم الأصول، والدخول في دوامة من الإجراءات التي قد تمتد لسنوات.

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي تجميد أموال ضخمة خارج الدورة الاقتصادية. عقارات تُستغل دون تسديد الديون المرتبطة بها، قروض متعثرة دون حسم، ومزادات لا تكتمل، في ظل نظام يسمح بتكرار الخبرات وإعادة فتح الملفات. هذه الأموال ليست مفقودة، بل معطلة، ما يجعلها تشكل نوعاً من “اقتصاد الظل” داخل الاقتصاد الرسمي، لا يساهم في الإنتاج ولا في تحريك السوق.

غير أن هذا التشخيص، رغم أهميته، لا يبدو كافياً في نظر العديد من المتابعين. فالتفاعل الشعبي مع التصريح يكشف عن فقدان متزايد للثقة، حيث يرى البعض أن المشكلة لا تكمن فقط في “المتحايلين”، بل في بيئة قانونية ومؤسساتية تسمح بوجودهم. ثغرات تشريعية، ضعف في آليات المراقبة، وتداخل في المصالح، كلها عوامل تُسهم في استمرار هذه الظاهرة.

كما يطرح المواطن تساؤلات مشروعة: إذا كانت هذه الأموال موجودة بهذا الحجم، فلماذا لا تنعكس على تحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم؟ ولماذا لا تُترجم هذه الأرقام إلى سياسات ملموسة تُحدث أثراً في الحياة اليومية؟

التحدي اليوم لا يقتصر على وقف هذه الممارسات، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة الثقة في المؤسسات. وهو ما يتطلب، وفق متابعين، الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، عبر إصلاحات دقيقة تشمل تقنين الخبرة القضائية، تسريع مساطر التنفيذ، وتعزيز آليات المحاسبة والشفافية.

في المحصلة، قد يشكل تصريح الوزير جرس إنذار حقيقياً، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُرفق بخطة واضحة، محددة زمنياً، وقابلة للقياس. لأن المغاربة، كما تعكسه ردود الفعل، لم تعد تدهشهم الأرقام الكبيرة بقدر ما يهمهم رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع.

التعليقات مغلقة.