شهدت الأسواق المغربية في الآونة الأخيرة مشهداً استثنائياً، حيث انهارت أحلام جيش من المحتكرين و”الشَنَاقَة” – أولئك الذين يتخذون من الأزمات سُلَّماً للثراء غير المشروع – بعد أن حبَطَت الطبيعةُ والخيرُ مُخطَّطاتهم التي دُبِّرت بين الجدران المظلمة للمستودعات.
فبعد موسمين من الغلاء الفاحش، وصل فيهما سعر لتر زيت الزيتون إلى مستويات قياسية تجاوزت 110 دراهم في بعض المناطق، ها هي “الشجرة المباركة” تفيض بخيراتها، مُحدثةً انقلاباً في المعادلة. لقد راهن هؤلاء المحتكرون على شحِّ السماء وقلة التساقطات، فاحتكرُوا كميات هائلة من الزيت، واختزنوها في أوكارهم، ينتظرون اللحظة التي تُضاعف فيها الأسعار لمرتين أو ثلاثاً، ليُخرجوا بضاعتهم “البائرة” ويُحرقوا بها جيوب البسطاء.
لكن الخير كان بالمرصاد. فموسم جني الزيتون هذا العام جاء محملاً بالخيرات والبركات، عكس كل التوقعات المتشائمة، مُسجِّلاً إنتاجاً وفيراً عمَّ ربوع المملكة. وكانت النتيجة أن تحوَّل “زيت العود الحايل” – كما يسميه المغاربة على الزيت القديم الذي تغيرت رائحته ولونه – من سلعة يُراهن على ارتفاع سعرها إلى عبء ثقيل على كاهل محتكريه.
لقد دفعت هذه الصدمة بالعديد من هؤلاء الجشعين إلى محاولة بيع ما اختزنوه بأسعار تقارب سعر الشراء، فقط لتقليل خسائرهم. وها هو زيت الزيتون يعود اليوم ليُباع في بعض المناطق بأسعار لم تُسجَّل منذ سنوات، وصلت إلى حدود الأربعين درهماً للتر، بعد أن كان حلمًا بعيد المنال للكثير من الأسر.
هذه الدرس القاسي الذي تلقاه “شَنَاقَة الأزمات” يؤكد حقيقة راسخة: أن مقدرات الناس وأرزاقهم ليست سلعة للمضاربة، وأن محاولة التحكم في أسواق الغذاء بمثل هذه الطرق الجشعة هي مقامرة خاسرة في النهاية. لقد خاب مسعاهم، وخسروا دنيا ودينا، بينما انتصرت إرادة الخير والوفرة التي جادت بها الطبيعة وجاد بها الله على الفلاحين الصامدين في قرى ومَداشِر المملكة.
واليوم، يترقب الجميع – مهنيون ومستهلكون – أن ينعكس هذا الموسم المُبَارَك على أسعار زيت الزيتون بشكل عادل، ليعود هذا المنتج الوطني الأصيل إلى موائده، شاهداً على أن بركات الأرض تكفي الجميع، إذا حُورِبت آفات الجشع والاحتكار.

التعليقات مغلقة.