أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين تتحول الرسالات إلى سلالات

بقلم الا ستاد محمد  عيدني فاس  

تقوم الأديان، في أصلها، على الإيمان والفكرة والرسالة، لا على الدم والعرق والانتماء الجيني. فالعقيدة موجّهة إلى الإنسان بوصفه إنسانًا، بعيدًا عن لونه أو لغته أو جذره السلالي. غير أن التاريخ يكشف أن المصالح السياسية كثيرًا ما حاولت تحويل الدين إلى أداة للتمييز العرقي وتبرير الامتيازات، عبر نسب «حق إلهي» مزعوم إلى أسرة أو عشيرة أو سلالة بعينها.

وقد لجأت بعض الجماعات عبر العصور إلى اختراع صيغ تمنحها هذه الأفضلية، بينها التواصل مع قوى خارقة، أو الادعاء بالاختيار الإلهي، أو الزعم بأن قدسية الأرض أو أحقية الحكم تورَّث جينيًا عبر سلالة محددة. وهي فكرة ضاربة في القدم، سبقت الديانات السماوية نفسها، عندما صوّر الفراعنة والأكاسرة والأباطرة أنفسهم كأبناء آلهة أو أنصاف آلهة.

وعلى الرغم من أن نصوص الديانات الكبرى—اليهودية والمسيحية والإسلام—لا تتضمن أي دعوة إلى تفوّق عرقي أو تمييز سلالي، فإن التأويلات السياسية للنصوص أسهمت في إنتاج مفاهيم مثل «الاصطفاء الإلهي» و«الحق الإلهي»، اللذين تحوّلا إلى أساس يمنح سلالات محددة سلطة وثروة استنادًا إلى «امتياز جيني» لا وجود له في الأصل الديني.

وتبرز في هذا السياق مثالان بارزان:
الأول في اليهودية من خلال عقيدة «الشعب المختار» التي تكوّنت عبر تأويلات لاحقة للنص، ثم تحولت مع الزمن إلى أساس مفهوم «الدولة اليهودية» ذات الطابع السلالي.
والثاني في بعض البيئات الإسلامية من خلال تحويل مفهوم «آل النبي» إلى صيغة سلالية تُعاد بها إنتاج فكرة التفوق الوراثي، رغم أن القرآن استخدم مصطلح «أهل البيت» في سياق تشريعي خاص بزوجات النبي، بعيدًا عن أي مضمون عرقي.

ومع أن تأثير القراءات اليهودية القديمة تسلل إلى بعض الفرق الإسلامية، إلا أن التيار الأوسع من المسلمين ظل محافظًا على الفهم الرسالي الإنساني للإسلام، الذي يقوم على المساواة وعلى رفض تحويل النبوة إلى سلالة وامتياز وراثي.

وتُظهر دراسات مقارنة الأديان أن مفاهيم مثل «الشعب المختار» أو «الآل الأطهار» تنتمي إلى بنية فكرية واحدة تقوم على الاصطفاء العرقي والامتياز الجيني، وهي بنية تتناقض جذريًا مع جوهر الرسالات السماوية، التي جاءت لتحرر الإنسان لا لتقيّده بامتيازات الدم والنسب.

التعليقات مغلقة.