كشف السيد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، عن تفاصيل المفاوضات الشاقة والمطولة التي قادتها الحكومة مع شركات التأمين، بهدف إقرار مشروع القانون الجديد الخاص برفع تعويضات ضحايا حوادث السير، وذلك خلال جلسة دراسة النص التشريعي أمام مجلس النواب.
أوضح الوزير أن لب المفاوضات تمحور حول موافقة شركات التأمين المبدئية على رفع قيمة التعويضات بشكل كبير، ولكن مقابل شرط حاسم: زيادة أقساط التأمين التي يدفعها المواطنون. وقال وهبي في تصريحات نقلها مجلس النواب: “أي زيادة في التعويضات يجب أن ترافقها زيادة موازية في الأقساط وفقاً لمقتضيات السوق والعقود”، مما يضع المواطن في قلب المعادلة الاقتصادية للتعديل.
لفت الوزير إلى أن الحكومة سعت جاهدة إلى رفع التعويضات دون المساس بأقساط التأمين، وهو ما وصفه بـ “المعادلة الصعبة”. وأكد أن هذا الهدف استدعى جهود وساطة مكثفة استمرت قرابة نصف عام بين وزارتي العدل والمالية وممثلي قطاع التأمين، بهدف إيجاد توازن بين حقوق الضحايا والاعتبارات الاقتصادية لشركات القطاع الخاص.
إشكالية قانونية: عقود التأمين ومبدأ عدم الرجعية
لم تكن المفاوضات مالية بحتة، بل امتدت إلى سجال قانوني حول مبدأ “عدم رجعية القوانين”. وأشار الوزير إلى تمسك شركات التأمين بتطبيق القوانين السارية وقت توقيع عقد التأمين، وهو مبدأ قانوني أساسي يحفظ استقرار العلاقات التعاقدية. وهذا ما شكل أحد المحاور الرئيسية في النقاش، بحسب تصريحاته.
تناول الوزير الانتقادات الحادة التي وجهتها بعض كتل المعارضة حول تأثير ما وصفته بـ “لوبيات التأمين” داخل أروقة البرلمان. ورداً على ذلك، قال وهبي: “البرلمان يضم مصالح متعددة”، مؤكداً على طبيعة العمل التشريعي التشاركي. واستشهد بصمود القانون القديم لسنة 1984 لعقود من الزمن، معتبراً أن التعديلات الحالية تمثل “تقدماً ملموساً” كان صعب التحقيق في السابق.
من أبرز مكاسب المشروع الجديد، وفقاً للوزير، تحديد الحد الأدنى للأجر المرجعي المستخدم في حساب التعويضات، وذلك بعد تنسيق حثيث مع وزارة المالية. ويهدف هذا التعديل إلى سد الثغرات التي كانت موجودة في القانون القديم، وضمان حماية أفضل وحصول ضحايا حوادث السير على تعويضات عادلة ومناسبة.
لا يزال مشروع القانون قيد الدراسة والمناقشة داخل لجان مجلس النواب، في ظل تطلعات رسمية وشعبية لإقرار نص يحقق مصالحة بين هدفين: ضمان تعويض عادل لضحايا حوادث الطرق، والحفاظ على استقرار قطاع التأمين وجاذبيته للاستثمار.
يُشار إلى أن هذا الملف يمس شريحة واسعة من المواطنين، في بلد تشهد طرقاته حصيلة ثقيلة من الحوادث المميتة والجسيمة سنوياً، مما يجعله أحد الملفات الاجتماعية والاقتصادية الحساسة التي تترقبها الأوساط المهنية والأسر على حد سواء.

التعليقات مغلقة.