محمد عيدني فاس
تشهد حالات السرطان التي تُصيب الأشخاص قبل سن الخمسين ارتفاعًا ملحوظًا على مستوى العالم، وهو اتجاه يفرض تحديات جديدة على أنظمة الرعاية الصحية، بما فيها النظام الصحي السويسري. ومع أنّ السرطان يُعدّ مرضًا يرتبط عادةً بالتقدّم في العمر، فإنّ ازدياد الإصابات بين الفئات الشابة يُحدث صدمة مضاعفة لدى المرضى، لأنّ لحظة التشخيص غالبًا ما تأتي في مرحلة مفصلية من الحياة، حيث يخطّط كثيرون لبناء مستقبلهم المهني أو تأسيس أسرة أو الاستقرار ماليًا.
سامنثا فايس، ممرّضة سابقة في الخامسة والثلاثين، اكتشفت في عام 2021 إصابتها بسرطان الدم اللمفاوي العدواني. وتقول إن حياتها انهارت فجأة، فقد كانت في ذروة استقرارها المهني والشخصي، قبل أن تتبدّل الصورة تمامًا بفعل تشخيص لم تتوقعه. ورغم أنّ هذه الحالات ليست شائعة، فإنّ الدراسات الحديثة تؤكد أنّ السرطان المبكر بات ظاهرة عالمية آخذة في الازدياد. وفي سويسرا، سجلت بعض أنواع السرطان مثل القولون والغدة الدرقية ارتفاعًا واضحًا بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و49 عامًا خلال الخمسين سنة الأخيرة، فيما تظهر اتجاهات مماثلة في دول عربية كالإمارات التي شهدت نسبة مرتفعة من إصابات القولون لدى من هم دون الخمسين.
وتمتد آثار المرض إلى ما هو أبعد من الجانب الجسدي، إذ يضع الشباب أمام أسئلة وجودية معقّدة. ويؤكّد خبراء الدعم النفسي أنّ المرضى في هذا العمر يعانون من صدمة قاسية بسبب القطيعة المفاجئة مع إيقاع الحياة الطبيعي. وتبرز مخاوف لم تكن مطروحة أصلًا، مثل احتمالات فقدان الخصوبة، أو تغيّر شكل الجسد بفعل العلاج، وهي أمور تُلقي بثقل نفسي كبير على المصاب. كما أن الآثار الجانبية للعلاج قد تكون أشدّ وطأة لدى هذه الفئة مقارنةً بمن هم أكبر سنًا، سواء من حيث الإجهاد الجسدي أو التأثيرات النفسية طويلة المدى.
ويصنّف الخبراء هذه الحالات ضمن السرطان “مبكر الظهور”، لأنّ الإصابة عادةً تتطلب سنوات طويلة من تراكم الطفرات، ما يجعل حدوثه في عمر مبكر استثناءً إحصائيًا. ومع أن الغالبية الساحقة من الحالات تُسجل بعد سن الخمسين، فإنّ التغيّر الحاصل في أنماط الإصابة عالميًا مخالف للصورة التقليدية المعروفة عن المرض. وقد رصدت دراسات دولية زيادة بنسبة 79% في تشخيصات السرطان المبكر بين 1990 و2019، كما سجلت منطقة الخليج العربي ارتفاعًا هو من بين الأعلى عالميًا. وتتوقع الأبحاث استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.
ورغم الجهود البحثية الواسعة، لا تزال أسباب هذا الارتفاع غير واضحة تمامًا. ويعتقد بعض الخبراء أن زيادة الاعتماد على الفحوص التشخيصية قد يساهم في جزء من الارتفاع، إلا أن ذلك لا يفسّر وحده حجم التغيّر العالمي. ولذلك، يتجه المتخصصون إلى تعزيز الكشف المبكر باعتباره وسيلة عملية لرفع نسب النجاة، خصوصًا أنّ التشخيص المتأخر يُعدّ أحد أبرز التحديات لدى المرضى الأصغر سنًا. وكشفت دراسات في الإمارات مثلًا أنّ الإقبال على الفحص الدوري للقولون ضعيف، رغم ارتفاع الإصابات، نتيجة نقص التوعية أو عدم توصية الأطباء.
ويكشف المشهد السريري العالمي عن فجوة أخرى تتمثل في غياب برامج مخصّصة للمراهقين والشباب المصابين بالسرطان، إذ تعتمد معظم البروتوكولات على خبرات موجهة للأطفال أو كبار السن. وفي دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، توجد وحدات مخصّصة لهذه الفئة، بينما لا تزال مثل هذه الخطوات محدودة في سويسرا، حيث بدأت بعض المستشفيات تجارب لتشكيل فرق متعددة التخصصات تعالج احتياجاتهم الخاصة، لكن من دون وجود استراتيجية وطنية شاملة. كما أن العالم العربي يفتقر عمومًا إلى مبادرات مشابهة.
وتوضّح خبرات بعض الأطباء أنّ المرضى الشباب غالبًا ما يتلقون جرعات علاج مكثفة مقارنة بكبار السن الذين يعانون من نفس نوع الورم، دون وجود أدلة كافية على أن هذا النهج يمنح نتائج أفضل. كما أن قضايا الخصوبة أو الآثار الجانبية طويلة الأمد لا تُناقش دائمًا بالشكل المطلوب. وتروي سامنثا فايس، التي خضعت لزرع خلايا جذعية في 2022، أنها شعرت أحيانًا أنّ العلاج أقرب إلى اختبار قدرة جسدها على التحمل، بسبب محدودية الخبرة الطبية الموجهة لحالتها.
ويتواصل الضغط حتى بعد النجاة من المرض. فالشباب يُتوقع منهم عادةً العودة سريعًا إلى العمل وإلى حياتهم الطبيعية، لكن هذا لا يعكس واقع ما يواجهونه من إرهاق مزمن، وضعف في التركيز، ومشكلات قد تستمر شهورًا أو سنوات بعد انتهاء العلاج. وتقول فايس إنها عانت من هذه الضغوط عندما انتُظِر منها العودة إلى عملها رغم عدم اكتمال تعافيها، الأمر الذي أدى في النهاية إلى فقدانها وظيفتها بعد انتهاء تغطية التأمين الصحي المؤقت.
كما يتأثر المرضى بغياب نظام دعم موحد في سويسرا، إذ تعمل مبادرات متعددة على مستوى محلي، لكنها تفتقر إلى التنسيق الوطني. وأطلقت بعض الجهات منصات إلكترونية تسعى لجمع الموارد في مكان واحد، إلا أن الوصول إلى هذه الخدمات يظلّ صعبًا لكثير من المرضى. ويُضاف إلى ذلك نقص البيانات الخاصة بالسرطان المبكر، مما يعقد فهم التطورات ووضع السياسات المناسبة.
ويجمع الخبراء على أن مرحلة ما بعد العلاج قد تكون من أصعب المراحل، إذ يشعر الناجون بأنّ المجتمع يتوقع منهم استعادة حياتهم بسرعة، بينما يظلّون بحاجة إلى وقت طويل للتكيف مع ما حدث. وتؤكد منظمات الدعم أن مرافقة المرضى خلال هذه المرحلة ضرورية بقدر مرافقتهم خلال العلاج، لأنّ تجربة السرطان في سن مبكرة تترك آثارًا تتجاوز الشفاء الطبي، وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة المهنية والاجتماعية والشخصية.

التعليقات مغلقة.