تراجع مبيعات التجزئة الأمريكية مع ضغوط الاقتراض وانعكاساته الاقتصادية
تشير البيانات الاقتصادية الأخيرة في الولايات المتحدة إلى تباطؤ ملموس في النمو الاقتصادي، مع تراجع الإنفاق الاستهلاكي والنشاط الصناعي، واستمرار التضخم عند مستويات أعلى من الهدف المحدد من قبل الاحتياطي الفيدرالي. ويبدو أن الاقتصاد الأمريكي يختتم عام 2025 بزخم أضعف مما كان عليه في بداية العام، رغم استمرار قوة سوق العمل.
تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي ومبيعات التجزئة
سجلت مبيعات التجزئة في نوفمبر زيادة طفيفة بلغت 0.1% فقط، وفقًا لوزارة التجارة الأمريكية، وهو أقل من توقعات السوق ويعد أحد أصغر المكاسب الشهرية خلال العام. وعند تعديل الأرقام وفق التضخم، لم يظهر أي تغير ملموس في الإنفاق الحقيقي، ما يعكس تراجع القوة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض. وقد انعكس هذا التباطؤ على الطلب الاستهلاكي بعد عدة أشهر من المكاسب البطيئة، مما يعكس تأثير رفع أسعار الفائدة وتباطؤ نمو الأجور على الأسر الأمريكية.
وعلى الرغم من موسم التسوق والعروض الترويجية، يبدو أن العديد من الأسر استنفدت مدخراتها التي تراكمت خلال فترة الوباء، واعتمدت بشكل متزايد على الائتمان لمواصلة الإنفاق.
تباطؤ النشاط الصناعي ومؤشرات الإنتاج
أظهرت بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن الإنتاج الصناعي انخفض بنسبة 0.2% في نوفمبر، مع انكماش الصناعات التحويلية بنسبة 0.3% وتراجع إنتاج السلع المعمرة بما فيها المركبات والآلات. كما هبط استخدام الطاقة الإنتاجية إلى 78.2%، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل 2024، في مؤشر على تباطؤ الطلب الصناعي وارتباطه بالظروف الاقتصادية العالمية والمحلية.
التضخم والأسعار
يستمر التضخم في التراجع تدريجيًا، لكنه يبقى أعلى من الهدف طويل الأجل للاحتياطي الفيدرالي. حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.1% على أساس سنوي و0.2% شهريًا في نوفمبر، بينما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 3.4% سنويًا. ورغم انخفاض أسعار الطاقة، استقرت تكاليف السكن والخدمات، ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية على الأسر.
وفي ظل هذه الأرقام، أبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي في نطاق 5.25% إلى 5.50%، وهو التوقف السادس على التوالي بعد دورة تشديد بدأت في 2022، مع استمرار التركيز على تحقيق توازن بين استقرار الأسعار والحفاظ على مكاسب التوظيف.
سوق العمل ونمو الأجور
على الرغم من تباطؤ النشاط الاقتصادي، يظهر سوق العمل الأمريكي مرونة قوية، إذ أضاف الاقتصاد 199 ألف وظيفة غير زراعية في نوفمبر، ليظل معدل البطالة عند 3.8%. كما ارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.3% شهريًا و4% سنويًا. واستمر التوظيف في قطاعات الرعاية الصحية والحكومة والخدمات المهنية، رغم انخفاض فرص العمل عن أعلى مستوياتها في 2023.
الأسواق المالية والاستثمار
استجابت الأسواق المالية بحذر للبيانات الأخيرة، حيث انخفضت عائدات سندات الخزانة الأمريكية قليلاً، بينما تراجع الدولار مقابل العملات الرئيسية وتداولت الأسهم في نطاق ضيق. وقد انعكس هذا التفاعل على تقييم المستثمرين لاحتمالات استمرار السياسة النقدية المشددة لفترة أطول.
من جانب آخر، أظهرت بيانات الربع الثالث نمو الاقتصاد بمعدل سنوي 2.3%، مدعومًا بالإنفاق الحكومي والاستثمارات التجارية، إلا أن البيانات الأولية للربع الرابع تشير إلى تباطؤ النمو نتيجة تراجع الطلب وضغوط الأوضاع المالية.
قراءة شاملة
تشير المؤشرات مجتمعة إلى اقتصاد أمريكي يواصل النمو، لكنه يواجه قيودًا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع الإنفاق المنزلي. ويبدو أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة نمو أبطأ وأكثر استقرارًا، مع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف، وتباطؤ نشاط التجزئة والصناعة، واستمرار السياسة النقدية المشددة.
ويظهر أن الأسرة الأمريكية أصبحت أكثر حذرًا في الإنفاق، بينما تقوم الشركات بتأجيل خطط التوسع نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل. ويعكس هذا الواقع التراكمي لسياسة نقدية مشددة استمرت عامين وتغير أنماط الإنفاق بعد جائحة كورونا، ما يضع الاقتصاد أمام تحديات النمو المستدام دون التسبب في اختلالات مالية كبيرة.

التعليقات مغلقة.