كشف آخر تقرير للمندوبية السامية للتخطيط عن تحولات مهمة في بنية الاقتصاد المغربي، إذ يتقاطع تباطؤ أسعار الإنتاج الصناعي مع تسجيل نمو اقتصادي ملحوظ، مما يعكس مرحلة انتقالية تجمع بين استقرار الأسعار وتحسن الأداء الاقتصادي.
شهد شهر فبراير 2026 تراجع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الإنتاج في قطاع الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير البترول، بنسبة طفيفة بلغت 0.2 في المائة. وعلى الرغم من أن هذه النسبة تبدو محدودة، إلا أنها تحمل دلالات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية.
وجاء هذا الانخفاض مدفوعًا أساسًا بتراجع أسعار الصناعات الغذائية، المرتبطة بالاستهلاك اليومي للمواطنين، إضافة إلى انخفاض أسعار الملابس وبعض الصناعات المرتبطة بالبناء والأثاث. في المقابل، سجلت بعض القطاعات الأخرى، مثل الأجهزة الكهربائية والتعدين، ارتفاعًا طفيفًا، ما يعكس استمرار دينامية الاستثمار والإنتاج.
حافظت أسعار القطاعات الحيوية مثل الصناعات الاستخراجية وإنتاج وتوزيع الكهرباء والماء على استقرارها، وهو ما يوفر نوعًا من “صمام الأمان” للاقتصاد الوطني. هذا الاستقرار يعني أن كلفة الإنتاج لم تعرف صدمات جديدة، وهو ما يمنح المقاولات رؤية واضحة ويساعد على تجنب موجات جديدة من ارتفاع الأسعار.
على صعيد النمو، حقق الاقتصاد المغربي نسبة نمو بلغت 4.1 في المائة خلال الفصل الرابع من 2025، وهو ما يعكس تعافيًا تدريجيًا وثقة متجددة في مختلف القطاعات. اللافت في هذه الأرقام هو التوازن بين القطاع الفلاحي والأنشطة غير الفلاحية، ما يوضح تنوع مصادر النمو ويمنح الاقتصاد مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية.
رغم تباطؤ وتيرة التضخم إلى حدود 2.7 في المائة، لا يعني ذلك انخفاض الأسعار، بل يشير إلى أن ارتفاعها أصبح أكثر استقرارًا. ومن هذا المنطلق، سيستفيد المواطن من نوع من الاستقرار النسبي يمنع زيادات حادة كما حدث في فترات سابقة، دون أن يلمس انخفاضًا مباشرًا في الأسعار.
على الرغم من تحسن الصادرات، واصلت الواردات النمو بوتيرة أسرع، مما أثر على مساهمة المبادلات الخارجية في النمو الاقتصادي. هذا الوضع يبرز الحاجة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للمواد الأولية والطاقة المستوردة، خصوصًا مع تقلبات الأسواق العالمية.
شهد الدخل الوطني المتاح ارتفاعًا بنسبة 5.7 في المائة، مع استقرار معدل الادخار الوطني عند 30.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. وتشير هذه الأرقام إلى قدرة الاقتصاد على تمويل جزء كبير من استثماراته داخليًا، مع الحفاظ على مستوى مقبول من الادخار.
تعكس المؤشرات الأخيرة توجه الاقتصاد المغربي نحو مرحلة أكثر استقرارًا، حيث من المتوقع أن تعرف أسعار المواد الأساسية هدؤًا تدريجيًا، بينما قد تستمر بعض الضغوط على المنتجات المستوردة. وتحسن النمو الاقتصادي قد يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وإن بشكل تدريجي. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة، خاصة في ما يتعلق بالتوازن التجاري، لتظل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التحسن سيترجم إلى مكاسب ملموسة للمواطن أم سيظل محدودًا بتقلبات الأسواق الخارجية.

التعليقات مغلقة.