أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“نحو حكامة مالية شفافة ورقمية في المغرب

بدر شاشا

يشكل تدبير المال العام أحد أهم ركائز بناء الدول الحديثة وتحقيق التنمية المستدامة، إذ إن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية أو الاستثمارات الخارجية، بل تقاس أساساً بمدى فعالية الأنظمة الرقابية والمالية وقدرة الدولة على حماية المال العام وضمان الشفافية والعدالة الجبائية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني نموذج متكامل لمحاربة الفساد المالي والإداري، يقوم على تتبع دقيق لحركة الأموال داخل البلاد وخارجها، وعلى رقمنة شاملة للإدارة المالية والجبائية، إضافة إلى تطوير منظومة مراقبة فعالة للصفقات العمومية والمعاملات الاقتصادية المختلفة. إن مثل هذا النموذج يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار التنمية الاقتصادية للمغرب، ويضعه ضمن الدول التي تعتمد حكامة مالية متقدمة قائمة على الشفافية والمساءلة والفعالية.

إن محاربة الفساد المالي ليست مجرد شعار سياسي أو إجراء إداري محدود، بل هي مشروع وطني شامل يتطلب إصلاحاً عميقاً في بنية الإدارة العمومية وفي آليات المراقبة والتتبع المالي. فالأموال المهربة إلى الخارج تمثل نزيفاً اقتصادياً حقيقياً يؤثر على قدرة الدولة في تمويل المشاريع التنموية والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية. ولهذا فإن تتبع هذه الأموال واسترجاعها يتطلب منظومة متطورة من التعاون الدولي، ونظاماً معلوماتياً متكاملاً يسمح بتتبع التحويلات المالية المشبوهة، وتحليل البيانات الاقتصادية، وربط المعطيات بين المؤسسات البنكية والإدارات الجبائية وأجهزة المراقبة المالية.

ومن بين المجالات التي تستدعي عناية خاصة في إطار الإصلاح المالي الشامل مسألة تتبع عمليات كراء المنازل والشقق، إذ يشكل هذا القطاع جزءاً مهماً من الاقتصاد غير المهيكل في العديد من الدول. إن إدماج هذا النشاط ضمن منظومة ضريبية رقمية شفافة يمكن أن يساهم في توسيع الوعاء الضريبي بشكل عادل ومتوازن، دون إثقال كاهل المواطنين، بل من خلال اعتماد آليات مبسطة للتصريح الإلكتروني بالعقود الكرائية وربطها مباشرة بالإدارة الجبائية. إن رقمنة عقود الكراء وتسجيلها في قاعدة بيانات وطنية سيمكن من تحقيق عدة أهداف في آن واحد، من بينها ضمان حقوق المالك والمكتري، وتحسين الشفافية في سوق العقار، وتمكين الدولة من تتبع المداخيل المرتبطة بهذا القطاع بشكل دقيق.

كما أن الجرد الشامل لجميع الضرائب والرسوم يشكل خطوة أساسية نحو بناء نظام جبائي عادل وفعال. فالأنظمة الضريبية الحديثة تقوم على الوضوح والبساطة، وعلى قدرة الإدارة على تحصيل الضرائب بطرق رقمية دقيقة تحد من التهرب الضريبي وتقلص من فرص الفساد. وفي هذا الإطار يمكن اعتماد منصة رقمية وطنية موحدة تضم جميع أنواع الضرائب والرسوم المفروضة على الأفراد والشركات، مع توفير أدوات تحليل ذكية تسمح بتتبع الأداء الضريبي وتحديد القطاعات التي تعرف اختلالات أو نسب تهرب مرتفعة. إن مثل هذه المنصة يمكن أن تحول الإدارة الجبائية من جهاز تقليدي يعتمد على المعالجة الورقية إلى جهاز ذكي يعتمد على تحليل البيانات الضخمة والتقنيات الرقمية الحديثة.

ولا يمكن الحديث عن الحكامة المالية دون التطرق إلى الصفقات العمومية، التي تشكل أحد أهم المجالات التي قد تشهد اختلالات في حال غياب الشفافية الكاملة. فالصفقات العمومية تمثل جزءاً كبيراً من الإنفاق العمومي، وتشمل مشاريع البنية التحتية والإنشاءات والخدمات والمشتريات الحكومية. ولذلك فإن تتبع هذه الصفقات بشكل رقمي شامل، منذ مرحلة الإعلان عن طلب العروض إلى مرحلة التنفيذ والتقييم، يعد خطوة ضرورية لضمان النزاهة والشفافية. إن إنشاء نظام رقمي موحد للصفقات العمومية يسمح بنشر جميع المعلومات المتعلقة بالمشاريع الحكومية، بما في ذلك الشركات المشاركة، وقيمة العروض، ومعايير الاختيار، ومراحل التنفيذ، يمكن أن يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات العمومية.

ومن أجل تعزيز هذه المنظومة الرقابية، يمكن التفكير في إحداث مكاتب دائمة للمراقبة والتفتيش المالي في مختلف المؤسسات والمرافق العمومية، تكون تابعة مباشرة لوزارة الاقتصاد والمالية. إن وجود هذه المكاتب داخل الإدارات العمومية والمشاريع الكبرى يمكن أن يشكل خط دفاع أول ضد أي اختلالات مالية أو إدارية، إذ تعمل على مراقبة العمليات المالية بشكل مستمر، والتأكد من احترام القوانين والأنظمة المعمول بها. كما يمكن لهذه المكاتب أن تلعب دوراً استشارياً مهماً من خلال تقديم توصيات لتحسين طرق التدبير المالي والحد من المخاطر المحتملة.

إن نجاح هذا النموذج الرقابي يعتمد بشكل كبير على الرقمنة الشاملة للإدارة العمومية، إذ إن التحول الرقمي يمثل الأداة الأساسية لتحقيق الشفافية والكفاءة في تدبير المال العام. فالأنظمة الرقمية تسمح بتتبع العمليات المالية بشكل فوري، وتوفر قاعدة بيانات دقيقة يمكن تحليلها لاكتشاف الاختلالات أو العمليات المشبوهة. كما أن الرقمنة تقلل من التدخل البشري في العديد من الإجراءات الإدارية، وهو ما يحد من فرص الرشوة والفساد.

وفي سياق متصل، فإن تبني تكنولوجيا تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة في مجال المراقبة المالية. فهذه التقنيات تمكن من تحليل ملايين المعاملات المالية في وقت قصير، واكتشاف الأنماط غير العادية التي قد تشير إلى وجود تهرب ضريبي أو تحويلات مالية مشبوهة. كما يمكن استخدامها لتقييم فعالية السياسات المالية والجبائية، وتقديم توقعات دقيقة تساعد صناع القرار على اتخاذ إجراءات استباقية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

ولا يقتصر أثر هذه الإصلاحات على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين. فعندما يشعر المواطن بأن المال العام يتم تدبيره بشفافية وأن الجميع يخضع لنفس القواعد الجبائية دون استثناء، فإن ذلك يعزز روح المواطنة والانخراط في التنمية الوطنية. كما أن المستثمرين المحليين والأجانب يفضلون العمل في بيئة اقتصادية تتسم بالشفافية والاستقرار، وهو ما يعني أن تحسين الحكامة المالية يمكن أن يسهم بشكل مباشر في جذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

إن المغرب يمتلك مقومات كبيرة لتحقيق تحول نوعي في مجال الحكامة المالية، بفضل موقعه الاستراتيجي وتطوره المؤسساتي وإمكاناته البشرية والتكنولوجية. غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثماراً مستمراً في البنية التحتية الرقمية، وتطويراً للموارد البشرية المتخصصة في مجالات المحاسبة والمراقبة المالية وتحليل البيانات. كما يتطلب تعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات الحكومية، بما في ذلك وزارة الاقتصاد والمالية، وبنك المغرب، والهيئات الرقابية والقضائية.

إن بناء منظومة مالية متكاملة تقوم على محاربة الفساد وتتبع الأموال المهربة ورقمنة الإدارة الجبائية ومراقبة الصفقات العمومية بشكل شفاف، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي. فكل درهم يتم الحفاظ عليه من الهدر أو الفساد يمكن أن يتحول إلى استثمار في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية، وكل إصلاح في مجال الحكامة المالية يمكن أن يعزز قدرة الدولة على تحقيق التنمية الشاملة.

مستقبل الاقتصاد المغربي يرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة المؤسسات على تطوير آليات فعالة لحماية المال العام وتعزيز الشفافية. إن بناء دولة قوية مالياً لا يتحقق فقط عبر زيادة الموارد، بل عبر حسن تدبيرها وضمان وصولها إلى المشاريع التي تخدم مصلحة المجتمع بأكمله. وعندما تصبح الرقابة المالية والشفافية جزءاً أساسياً من ثقافة الإدارة العمومية، فإن ذلك يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ويجعل المغرب نموذجاً يحتذى به في مجال الحكامة المالية والتنمية المستدامة.

التعليقات مغلقة.