سلا تحت ضغط الكراء: حين تفلس التجارة ويختنق المواطن بين السكن والمعيشة
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – "فاس"
تشهد مدينة سلا وضعًا اجتماعيا واقتصاديا مقلقا، في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار الكراء، سواء للمحلات التجارية أو السكنية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وأدى إلى إفلاس عدد من التجار، مقابل تزايد لافت في قضايا النزاعات الكرائية داخل المحاكم.
وتبرز منطقة “سعيد حجي” كنموذج صارخ لهذا الارتفاع، حيث تجاوزت سومة كراء بعض المحلات التجارية سقف 20 ألف درهم شهريًا، بل وصلت في بعض الحالات إلى أرقام خيالية تقارب 150 ألف درهم، ما جعل الاستمرار في النشاط التجاري شبه مستحيل بالنسبة لصغار ومتوسطي التجار.
هذا الواقع دفع العديد منهم إلى الإغلاق القسري أو التورط في نزاعات قضائية بسبب العجز عن الأداء.
ولا يقتصر الضغط على التجار فقط، بل يمتد إلى المواطنين البسطاء، إذ تتراوح أسعار كراء المنازل بين 2500 و3000 درهم، وهو مبلغ يلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الموظفين، فضلا عن المتقاعدين الذين يجدون أنفسهم في وضع أكثر هشاشة، غير قادرين على التوفيق بين تكاليف السكن ومتطلبات العيش اليومية من غذاء وعلاج وخدمات.
وفي ظل هذا الوضع، يطرح الشارع السلاوي تساؤلات ملحة حول دور الدولة والسلطات المحلية في ضبط سوق الكراء، وحماية حقوق المكتريين من الزيادات المفرطة، خاصة في غياب توازن واضح بين العرض والطلب، واستمرار ما يوصف بتحقيق أرباح خيالية من طرف بعض الملاك، سواء في الكراء الشهري أو في الشقق المفروشة المعدة للكراء اليومي.
كما أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من خضر وفواكه وغيرها، يزيد من تعقيد الوضع المعيشي، ويجعل فئات واسعة من المجتمع عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
فالموظف، رغم دخله القار، لم يعد قادرا على مجاراة هذا الارتفاع المتزامن في تكاليف السكن والمعيشة، فكيف الحال بالمتقاعد أو العامل غير المهيكل؟
ويرى متتبعون أن تفاقم هذه الأزمة يستدعي تدخلا عاجلا لإعادة التوازن إلى سوق الكراء، عبر تفعيل آليات المراقبة، وضبط الأسعار، وتعزيز الترسانة القانونية لحماية المكتري، إلى جانب تشجيع الاستثمار في السكن الاجتماعي، وتوفير بدائل حقيقية تخفف الضغط عن المدن الكبرى.
إن ما تعيشه سلا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مؤشر على اختلالات عميقة في تدبير قطاع حيوي يمس بشكل مباشر الاستقرار الاجتماعي. وبين مطالب التجار المتضررين وصرخات المواطنين المثقلين بالأعباء، يبقى السؤال معلقًا: من يحمي حق السكن وكرامة العيش في ظل هذا الارتفاع الصاروخي؟

التعليقات مغلقة.