الحسيمة… استراحة الكلاب الضالة وسؤال الأمن الصحي المؤجل
في أحد شوارع الحسيمة، يبدو المشهد للوهلة الأولى مألوفاً وهادئاً: مجموعة من الكلاب الضالة تستريح بعد يوم طويل من التجوال في الفضاءات العامة. غير أن هذا الهدوء الظاهري يفتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول مدى اضطلاع الجهات المختصة بواجباتها في حماية الصحة والسلامة العامة، ومدى جدية التعاطي مع ظاهرة باتت تؤرق السيبة اليومية للساكنة.
يطرح هذا الواقع البسيط في ظاهره إشكاليات جوهرية لا تتعلق بالحيوان في حد ذاته، بل بمدى شمول هذه الحيوانات بحملات التلقيح والمراقبة البيطرية، وما إذا كانت تخضع لبرامج علمية للتتبع والوقاية من الأمراض الخطيرة، كالداء الكلبي، أم أنها تظل قنبلة موقوتة تهدد سلامة المارة، لا سيما الأطفال وكبار السن الذين يتقاسمون معها الشارع العام.
إن معالجة ظاهرة الكلاب الضالة تجاوزت الاعتبارات العاطفية لتصبح قضية تدبير حضري، وصحة عمومية، وأمن مجتمعي بامتياز. وفي هذا السياق، سبق لوزارة الداخلية أن أرست خارطة طريق واضحة عبر توجيهات تدعو إلى اعتماد مقاربة علمية وإنسانية حديثة، ترتكز على: الإحصاء الشامل والدقيق. التلقيح والتعقيم المكثف (برنامج TNR). المراقبة البيطرية المستمرة. الحد من المخاطر البيئية بعيداً عن المقاربات الارتجالية والموسمية.
يصطدم تنزيل هذه التوجيهات الحكيمة بواقع محلي مقلق في مدينة الحسيمة، حيث يوجه الشارع المحلي أصابع الاتهام إلى المجلس الجماعي، الذي يصفه متتبعون بالشأن المحلي بالمشتت والمشرذم.
غير أن الانقسامات السياسية والتدبيرية لا يمكن أن تبرر بأي حال من الأحوال تعطيل الخدمات الأساسية، أو التنصل من معالجة القضايا اليومية التي تمس مباشرة أمن وسلامة المواطنين. فسلامة الساكنة ليست ملفاً ثانوياً قابلاً للتأجيل أو الترحيل، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية جسيمة تقع في صلب الاختصاصات الأصيلة للجماعات الترابية.
ولا يقتصر الخلل على ملف الكلاب الضالة وحدها، بل يكشف عن عوار منهجي في تدبير الشأن المحلي برمته. فحين تغيب المبادرة وتتراجع نجاعة المرافق العمومية، تجد المدينة نفسها رهينة لمشكلات متراكمة، ويبقى المواطن وحده من يدفع باهظاً ثمن التأخر في اتخاذ القرار وسوء التدبير.
من هنا، يبرز السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة في المشهد الحسيمي اليوم: من سيحاسب الجماعة على هذا التقصير المستمر؟ ومن سيتولى متابعة مدى تنزيل القرارات والتوجيهات الصادرة عن السلطات المركزية؟
إن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص عليها دستور المملكة، ليس مجرد شعار للاستهلاك السياسي، بل هو الركيزة الدستورية والأخلاقية الوحيدة لضمان حسن تدبير المرافق العامة واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته المنتخابية.
إن مدينة الحسيمة بتاريخها، ورمزيتها، وتطلعات أبنائها، تستحق فضاءات عامة آمنة، وشوارع نظيفة، وتدبيراً محلياً فعالاً يستجيب لانشغالاتها اليومية، لا أن تتحول مشاهد الخطر اليومي إلى أمر واقع يعتاده المواطن وسط صمت المجالس المنتخبة.

التعليقات مغلقة.