أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قراءة في الرؤية الاستراتيجية للخطاب الملكي

بقلم: حبيل رشيد

جاء الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى شعبه الوفي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، ليؤكد مرة أخرى أن خطابات العرش تشكل مرجعيات دستورية واستراتيجية تؤطر مسار الدولة، وترسم أولوياتها الكبرى، وتحدد اتجاهات السياسات العمومية، أكثر مما تمثل مجرد محطة بروتوكولية أو مناسبة وطنية للاحتفاء بالمنجزات. فمنذ اعتلاء جلالته العرش سنة 1999، تحولت هذه الخطب إلى وثائق مرجعية، وإعلانات سياسية كبرى، وأجندات وطنية متكاملة، تتضمن تشخيصاً دقيقاً للواقع، وتقييماً موضوعياً للمكتسبات، واستشرافاً عقلانياً للمستقبل، ضمن رؤية تقوم على الحكامة الاستراتيجية، والاستمرارية المؤسساتية، والتراكم التنموي، والنجاعة التدبيرية.

ويكتسي خطاب هذه السنة أهمية خاصة، لأنه يأتي بعد سبع وعشرين سنة من الإصلاحات الهيكلية، والأوراش الملكية الكبرى، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي أعادت تشكيل النموذج التنموي للمملكة، ورسخت مكانة المغرب باعتباره دولة مستقرة، ومؤسسة، وقادرة على التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية. كما يتزامن مع سياق عالمي شديد التعقيد، يتسم بتسارع التنافس الجيو-اقتصادي، واضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد النزعات الحمائية، وتزايد رهانات الأمن الغذائي والطاقي والرقمي، وهو ما أضفى على الخطاب بعداً استراتيجياً واضحاً، وجعل مضامينه تتجاوز الحاضر لتؤسس لمغرب أفقه سنة 2035.

والقراءة المتأنية للنص الكامل للخطاب تكشف أن جلالة الملك لم يعتمد منطق عرض الإنجازات في صورتها الرقمية فقط، رغم أهمية المؤشرات التي قدمها، من قبيل تحقيق معدل نمو يقارب 4.9 في المائة سنة 2025، واستقبال حوالي 20 مليون سائح، وتحول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنوياً، وبلوغ صادرات قطاعي السيارات والطيران أكثر من 40 في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية، وتغطية الصناعات الغذائية والدوائية لما يقارب 80 في المائة من الحاجيات الوطنية؛ وإنما حرص على إبراز الفلسفة التي أنتجت هذه النتائج، وهي فلسفة قوامها التخطيط بعيد المدى، والاستباق، والالتقائية، والتقييم المستمر، وربط الرؤية بالإنجاز، والقرار بالفعل، والطموح بالواقعية.

ومن هذا المنطلق، فإن الخطاب يقدم نموذجاً متقدماً في حكامة الدولة الاستراتيجية، حيث تتكامل السيادة الاقتصادية مع الأمن الوطني، ويتقاطع الانتقال الطاقي مع التصنيع، وتتعاضد الحماية الاجتماعية مع النمو الاقتصادي، وتتفاعل الدبلوماسية مع الاستثمار، وتتداخل العدالة المجالية مع التنمية الترابية، في إطار هندسة مؤسساتية متماسكة تجعل مختلف الأوراش الوطنية أجزاءً من مشروع استراتيجي واحد، قوامه بناء دولة أكثر تنافسية، وأشد مناعة، وأوسع تأثيراً، وأقوى حضوراً في محيطها الإقليمي والدولي.

أولاً: حكامة الاستقرار… من تثبيت الأمن المؤسسي إلى بناء الرأسمال الاستراتيجي للدولة.
استهل جلالة الملك هذا المحور من الخطاب بتأكيد دلالات عميقة حين تحدث عن الاعتزاز بما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وبما تتميز به مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية. والواقع أن هذه العبارات لا تندرج ضمن الوصف السياسي التقليدي، وإنما تؤسس لمفهوم جديد في الحكامة الاستراتيجية، مفاده أن الاستقرار لم يعد نتيجة للتنمية فحسب، وإنما أصبح شرطاً سابقاً لإنتاجها، ورافعة لاستدامتها، وضمانة لاستمرارها. لذلك، قدم الخطاب الاستقرار باعتباره رأسمالاً استراتيجياً، وأصلاً مؤسساتياً، ورصيداً سيادياً، وميزة تنافسية في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر، وتتسارع فيه الأزمات، وتتبدل فيه موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي هذا الإطار، أبرز جلالة الملك أن المغرب يوجد داخل محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، وهي إشارة ذات حمولة استراتيجية، لأن الخطاب يدعو إلى تقييم الإنجازات الوطنية انطلاقاً من بيئتها الإقليمية والدولية، لا بمعزل عنها. فمن منظور الحكامة المقارنة، تصبح قيمة الاستقرار أكبر عندما يتحقق في محيط متقلب، وتزداد أهمية النجاعة المؤسساتية عندما تنجح الدولة في الحفاظ على انتظام المرافق العمومية، واستمرارية السياسات، وسلامة القرار العمومي رغم التحولات الخارجية.

كما أعاد الخطاب الاعتبار لمفهوم الدولة-الأمة، باعتباره أحد المرتكزات التاريخية للنموذج المغربي، مؤكداً أن قوة المملكة تستمد من رسوخ مؤسساتها، وانسجام سلطها، وتكامل اختصاصاتها، واستمرارية عملها. وهذا المفهوم يعكس انتقال المغرب من منطق تدبير المؤسسات بشكل منفصل إلى منطق الهندسة المؤسساتية المتكاملة، حيث تتحول مختلف المؤسسات إلى حلقات مترابطة داخل منظومة واحدة، تتقاسم الأهداف نفسها، وتشتغل وفق رؤية موحدة، وتتقاطع وظائفها لخدمة المصلحة العليا للدولة.

ولعل من أبرز الرسائل التي تضمنها هذا المحور أن الحكامة الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على إدارة الأزمات قبل وقوعها، وليس فقط بالتعامل معها بعد حدوثها. لذلك استحضر جلالة الملك نجاح المملكة في التدبير الاستباقي للفيضانات التي عرفتها مناطق الغرب والشمال، باعتباره نموذجاً للحكامة الوقائية، والإدارة الاستباقية للمخاطر، والجاهزية المؤسساتية، وسرعة التعبئة، وحسن التنسيق بين مختلف المتدخلين. وهي مقاربة تؤكد أن الدولة الحديثة لم تعد تنتظر الأزمات لتتحرك، وإنما تبني منظومات للإنذار المبكر، والتوقع، والتخطيط، والتدخل السريع، بما يحد من الخسائر، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

وفي السياق نفسه، أشار الخطاب إلى نجاح المغرب في تنظيم التظاهرات القارية والدولية، وهو معطى يتجاوز البعد التنظيمي ليعكس مستوى النضج المؤسساتي والقدرة اللوجستية والكفاءة الإدارية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. فتنظيم الأحداث الكبرى لم يعد مجرد مناسبة احتفالية، وإنما أصبح مؤشراً عالمياً يقاس به مستوى الحكامة، وجودة البنيات التحتية، وفعالية الإدارة، والقدرة على التنسيق بين المؤسسات، وكفاءة الموارد البشرية، ومدى جاهزية الدولة لاستقبال الاستثمارات والتظاهرات الدولية.

ومن خلال هذا البناء المتكامل، يرسخ الخطاب معادلة استراتيجية واضحة مفادها أن الأمن، والاستقرار، والنجاعة المؤسساتية، والانسجام بين السلط، ليست أهدافاً قائمة بذاتها، وإنما هي البنية التحتية غير المرئية لكل مشروع تنموي ناجح. فالاقتصاد يحتاج إلى الاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى حكامة رشيدة، والحكامة الرشيدة تحتاج إلى رؤية استراتيجية متواصلة، وهو ما جعل هذا المحور يشكل الأساس الذي بنيت عليه بقية مضامين الخطاب الملكي، سواء تعلق الأمر بالسيادة الاقتصادية، أو بالتصنيع، أو بالتمويل، أو بالدبلوماسية، أو بالتنمية الاجتماعية.

ومن ثم، فإن أول رسالة استراتيجية يبعث بها الخطاب الملكي تتمثل في أن المغرب يعتبر الاستقرار المؤسسي رأسماله اللامادي الأكبر، والحكامة الاستراتيجية أداته لترسيخ هذا الرأسمال، والسيادة غايته، والتنمية المستدامة ثمرته.

ثانياً: حكامة السيادة الاقتصادية… من اقتصاد النمو إلى اقتصاد القوة والإنتاج
إذا كان محور الاستقرار قد شكل الأرضية الصلبة التي تنطلق منها الرؤية الملكية، فإن محور السيادة الاقتصادية يمثل القلب النابض للخطاب، والمحرك الأساسي لفلسفته التنموية. فالقراءة الدقيقة للنص الملكي تكشف انتقالاً واضحاً من الحديث عن تحقيق نسب النمو إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة، قادرة على تحصين القرار الوطني، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، ورفع مناعة المملكة أمام الصدمات الخارجية. إنها نقلة من اقتصاد المؤشرات إلى اقتصاد السيادة، ومن منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن التبعية لسلاسل القيمة العالمية إلى الاندماج فيها بوصف المغرب فاعلاً مؤثراً، لا مجرد حلقة تابعة.

ولذلك، استهل جلالة الملك هذا المحور بالإشارة إلى أن الاقتصاد الوطني حقق معدل نمو بلغ حوالي 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على المعدل نفسه أو تجاوزه خلال سنة 2026. وهذا الرقم لا يحمل دلالة محاسباتية فحسب، وإنما يعكس قدرة الاقتصاد المغربي على المحافظة على ديناميته رغم الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق الدولية. فالنجاح الحقيقي، وفق منطق الخطاب، لا يتمثل في تحقيق النمو فقط، وإنما في استدامته، وتحويله إلى نمو نوعي، منتج، ومولد للثروة وفرص الشغل.

كما توقف الخطاب عند الموسم الفلاحي الجيد الذي تحقق بفضل التساقطات المطرية المهمة، معتبراً أن تعزيز الأمن المائي والغذائي أصبح جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدولة. وهذه الإشارة تعكس تحولاً مفاهيمياً مهماً، إذ لم تعد الفلاحة قطاعاً إنتاجياً تقليدياً، وإنما أصبحت إحدى ركائز السيادة الوطنية، ورافعة للاستقرار الاجتماعي، وضمانة لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، في ظل التغيرات المناخية والتقلبات الجيو-اقتصادية.

وعلى المستوى الصناعي، قدم الخطاب مجموعة من المؤشرات التي تعكس التحول البنيوي الذي يشهده الاقتصاد المغربي. فقد أكد جلالة الملك أن المملكة أصبحت أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنوياً، كما أن صادرات قطاعي السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40 في المائة من مجموع الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط، الذي ظل لعقود العمود الفقري للاقتصاد المغربي. وهذه الأرقام تعكس انتقال المغرب من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يرتكز على التصنيع المتقدم، والقيمة المضافة، والابتكار، والتكنولوجيا، وسلاسل الإنتاج العالمية.

وزاد الخطاب عمقاً حين أشار إلى إطلاق مصانع جديدة مكنت المملكة من دخول النادي المحدود للدول المتخصصة في صناعة محركات الطائرات وأنظمة هبوطها، إلى جانب تطوير صناعة البطاريات الكهربائية، وهي قطاعات ذات قيمة تكنولوجية عالية، ترتبط بالاقتصاد العالمي الجديد، وبالثورة الصناعية الرابعة، وبالتحول نحو الصناعات النظيفة والذكية. وبهذا الاختيار، يؤكد المغرب أنه لا يكتفي بجذب الاستثمار، وإنما يسعى إلى توطين التكنولوجيا، وتطوير الخبرات الوطنية، وتعزيز السيادة الصناعية، واحتلال مواقع متقدمة داخل سلاسل القيمة العالمية.

ولم يغفل الخطاب أحد أكبر التحولات التي يعرفها العالم اليوم، والمتمثلة في الانتقال الطاقي، حيث أكد جلالة الملك أن مشاريع الطاقات المتجددة أصبحت تشكل ركيزة للأمن الطاقي، ووسيلة لجذب الصناعات التي تعتمد على الطاقة النظيفة والتنافسية. كما أعلن عن الشروع في تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر” عبر الترخيص لأول مجموعة من المشاريع الكبرى، وهو إعلان يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز إنتاج الطاقة، ليضع المملكة ضمن الدول التي تراهن على قيادة الاقتصاد الأخضر، وتقليص البصمة الكربونية، وتعزيز مكانتها في الأسواق الدولية للطاقة المستقبلية.

ومن بين أكثر الفقرات دلالة في الخطاب، تلك التي ربط فيها جلالة الملك بين عودة السياسات الحمائية عالمياً وبين ضرورة تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي. فهذه العبارة تكشف وعياً عميقاً بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد الدولي، حيث أصبحت الدول تعيد توطين صناعاتها، وتؤمن سلاسل الإمداد، وتبحث عن استقلالها الإنتاجي. وفي هذا السياق، أوضح الخطاب أن الصناعات الغذائية والدوائية المغربية أصبحت تغطي حوالي 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، وهو مؤشر يعكس نجاح المملكة في بناء قاعدة إنتاجية توفر جزءاً كبيراً من احتياجاتها الأساسية، وتحد من الارتهان للأسواق الخارجية.

ولم تتوقف الرؤية الملكية عند الصناعات المدنية، بل امتدت إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، باعتبارهما مجالين استراتيجيين يساهمان في تعزيز السيادة الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا الوطنية، وخلق فرص استثمار وتشغيل جديدة، وترسيخ مكانة المغرب قوةً إقليميةً صاعدة في الصناعات ذات البعد الأمني والتقني. ويعكس هذا التوجه مفهوماً حديثاً للأمن القومي، قوامه التكامل بين الاقتصاد، والتكنولوجيا، والصناعة، والدفاع، والابتكار.

وانطلاقاً من مجموع هذه المؤشرات، يتضح أن الخطاب الملكي لا يقدم الاقتصاد باعتباره قطاعاً مستقلاً، وإنما باعتباره رافعة للسيادة، وأداة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، ومنظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج، والتصنيع، والابتكار، والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي، والأمن الدوائي، والأمن الرقمي. وهي رؤية تؤسس لمرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة السيادة الإنتاجية الشاملة، حيث يصبح الإنتاج الوطني، والابتكار، والتنافسية، والتصنيع، الركائز الأساسية لبناء مغرب أكثر قوة، وأكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

ومن وجهة نظري، فإن الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لم يكن خطاباً لتقديم حصيلة سنوية، ولم يكن خطاباً موجهاً للتفاعل مع ظرفية سياسية أو اقتصادية محددة، وإنما جاء ليؤسس لمرحلة جديدة في حكامة الدولة، ويعيد ترتيب أولويات المشروع الوطني وفق رؤية استراتيجية متكاملة تمتد آثارها إلى السنوات المقبلة. فالمتأمل في بنية الخطاب يلاحظ أن جلالة الملك انتقل من منطق الإعلان عن الأوراش إلى منطق بناء المنظومات، ومن الحديث عن الإنجازات إلى تفسير الفلسفة التي صنعت تلك الإنجازات، ومن التركيز على التدبير الآني إلى ترسيخ ثقافة الاستشراف والتخطيط بعيد المدى.

وأعتقد أن الرسالة المركزية التي يحملها الخطاب تتمثل في أن قوة المغرب خلال العقود المقبلة لن تقاس بحجم موارده الطبيعية فقط، وإنما بقدرته على إنتاج الثروة، وامتلاك التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتحقيق الأمن الغذائي والطاقي والرقمي، وتعبئة الرأسمال الوطني، وتطوير العنصر البشري، وتعزيز فعالية المؤسسات. لذلك، حضرت في الخطاب مفاهيم السيادة، والاكتفاء الاستراتيجي، والنجاعة، والفعالية، والاستقرار، والابتكار، والاستثمار، بوصفها حلقات مترابطة داخل مشروع دولة، وليست ملفات متفرقة.

كما أرى أن الخطاب قدم تصوراً متكاملاً لما يمكن تسميته بحكامة القوة الوطنية الشاملة، وهي حكامة تجعل الأمن والاستقرار قاعدةً للاستثمار، ويصبح الاستثمار رافعةً للتصنيع، ويتحول التصنيع إلى مصدر للسيادة الاقتصادية، بينما تشكل العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية الضامن الحقيقي لاستدامة هذا المسار. وفي المقابل، تؤدي الدبلوماسية الاقتصادية والشراكات المتوازنة دوراً محورياً في تعزيز تموقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي، بما يرسخ صورته دولةً موثوقة، وشريكاً مسؤولاً، وفاعلاً إقليمياً يمتلك رؤية واضحة ومبادرة مستقلة.

ومن زاوية أخرى، يبرز الخطاب أن التنمية في التصور الملكي ليست سباقاً لتحقيق أرقام ظرفية، وإنما هي عملية تراكمية تتطلب الصبر، والاستمرارية، والتقييم، والتصحيح، والمواكبة، والالتقائية بين مختلف السياسات العمومية. لذلك جاء التأكيد على أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها ثمرة اختيارات استراتيجية راكمها المغرب على امتداد سنوات طويلة، وهو ما يعكس استقرار الرؤية، وثبات التوجه، واستمرارية المشروع الوطني.

إن القراءة المتأنية لهذا الخطاب تقود، في تقديري، إلى استخلاص مجموعة من القواعد الاستراتيجية التي تؤطر النموذج المغربي في الحكامة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

الاستقرار المؤسسي هو الرأسمال اللامادي الأول للدولة، ومن دونه تفقد التنمية مرتكزها الأساسي.
السيادة الاقتصادية تبدأ من الإنتاج الوطني، والتصنيع، والابتكار، وتأمين الحاجيات الاستراتيجية.
التخطيط الاستراتيجي يسبق الإنجاز، والإنجاز الناجح هو نتيجة للتراكم والاستمرارية لا للارتجال.
الحكامة الرشيدة تقوم على النجاعة، والفعالية، والتتبع، والتقييم، وربط المسؤولية بالأثر التنموي.
الاستثمار المنتج يشكل القاطرة الحقيقية لخلق الثروة، ورفع التشغيل، وتعزيز التنافسية.
العدالة الاجتماعية والمجالية ليست سياسة موازية للتنمية، وإنما إحدى دعائمها الأساسية.
الانتقال الطاقي والتكنولوجي أصبح شرطاً لتعزيز السيادة، وليس مجرد خيار اقتصادي.
الدبلوماسية الاقتصادية تمثل امتداداً للسياسة التنموية، وتدعم مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
التراكم المؤسساتي هو الضامن لاستدامة الإصلاحات، ولتحويل المبادرات إلى سياسات عمومية مستقرة.
الثقة في المستقبل، كما عكسها الخطاب، تنبع من واقعية الإنجاز، ومن وضوح الرؤية، ومن قدرة الدولة على استشراف التحولات والتكيف معها.
وفي تقديري، فإن الخطاب الملكي لهذه السنة يؤسس لمرحلة عنوانها تعزيز حكامة الدولة، وتوسيع دوائر السيادة، وترسيخ الاقتصاد المنتج، وبناء مغرب أكثر تنافسية، وأكثر مناعة، وأكثر تأثيراً في محيطه الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن في تشخيص الواقع فحسب، وإنما في رسم معالم المستقبل، وتحديد قواعد الانتقال إليه بثبات، ووضوح، واستمرارية، وهي الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من مضامينه الاستراتيجية.

التعليقات مغلقة.