لم تكن مشاهد آلاف الشباب الذين اندفعوا نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حادث عابر أو أزمة حدودية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بل عكست، وفق قراءة اقتصادية، أزمة أعمق تتعلق بفقدان الثقة في قدرة سوق الشغل المغربي على توفير مستقبل يضمن الاستقرار والعيش الكريم.
ويرى مراقبون أن ما حدث عند حدود سبتة يمثل رسالة واضحة لصناع القرار، مفادها أن التحدي لم يعد يقتصر على مراقبة الحدود أو الحد من الهجرة، بل يرتبط أساسًا بقدرة الاقتصاد الوطني على إقناع شبابه بالبقاء داخل الوطن، رغم المشاريع الاستثمارية الكبرى، والأوراش الاستراتيجية، والاستعدادات لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول أسباب استمرار رغبة عدد كبير من الشباب في الهجرة، رغم الدينامية الاقتصادية التي يشهدها المغرب. ويؤكد محللون أن الظاهرة ليست نتيجة عامل واحد، بل تعكس تراكم اختلالات تمس الثقة في المؤسسات، وجودة الخدمات العمومية، وفرص الحراك الاجتماعي، إلى جانب محدودية مردودية العمل في تحسين الظروف المعيشية.
وتبرز معطيات المندوبية السامية للتخطيط حجم هذا التحدي، إذ بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة نحو 37.2 في المائة خلال سنة 2025، بينما يوجد حوالي 77.3 في المائة من هذه الفئة خارج السكان النشيطين اقتصاديا، في حين يناهز عدد الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين نحو 2.9 مليون شاب، أي ما يقارب ثلث الشباب.
ورغم إحداث الاقتصاد المغربي نحو 193 ألف منصب شغل خلال السنة نفسها، فإن المقاولات واصلت الإبلاغ عن صعوبات في التوظيف، بالتزامن مع ارتفاع معدل الشغل الناقص إلى 10.9 في المائة، وهو ما يعكس، بحسب خبراء، أزمة تتجاوز عدد فرص العمل لتطال جودة هذه الوظائف وقدرتها على توفير دخل يواكب تكاليف المعيشة.
ويؤكد مختصون أن النقاش حول التشغيل ظل يركز على عدد المناصب المحدثة، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو مدى قدرة تلك الوظائف على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للعاملين. فضعف الأجور مقابل ارتفاع تكاليف الحياة يجعل العمل غير كاف للخروج من دائرة الهشاشة.
وفي هذا السياق، تفسر نظريات سوق الشغل، مثل منحنى بيفريدج ومنحنى فيليبس، جانبًا من هذا الواقع، إذ إن استمرار البطالة المرتفعة بالتوازي مع وجود مناصب شاغرة وصعوبات في التوظيف يكشف عن اختلال في التوافق بين حاجيات سوق الشغل ومؤهلات الباحثين عن العمل. كما أن استمرار ركود الأجور رغم هذه الصعوبات أدى إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع ما يعرف بـ”أجر التحفظ”، وهو الحد الأدنى للدخل الذي يجعل الفرد يقبل وظيفة معينة.
ويشير محللون إلى أن جذور الأزمة تمتد إلى بنية الاقتصاد الوطني، حيث يهيمن نسيج من المقاولات الصغيرة وضعيفة الإنتاجية، إلى جانب اتساع القطاع غير المهيكل، وهو ما يحد من إمكانية رفع الأجور وتحسين فرص الترقي المهني. كما يعتبرون أن استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالريع وضعف الاستثمار في الابتكار والإنتاجية ساهم في إبطاء التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية.
وبحسب هذه القراءة، فإن ما جرى في سبتة لم يكن مجرد محاولة لعبور الحدود، بل تعبيرًا عن فقدان الثقة في جدوى العمل داخل الوطن، حتى بالنسبة لبعض الشباب الذين يملكون وظائف. ويرى متابعون أن أخطر ما يواجه الاقتصاد اليوم ليس فقط ارتفاع البطالة، وإنما تراجع الإيمان بأن العمل قادر على ضمان مستقبل أفضل.
ويخلص أصحاب هذا الطرح إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي الانتقال من التركيز على خلق فرص الشغل إلى توفير وظائف لائقة ذات مردودية حقيقية، مع تعزيز الإنتاجية، وربط الدعم العمومي بالأداء الاقتصادي، ومحاربة الفساد والريع، بما يعيد الاعتبار لقيمة العمل ويمنح الشباب أسبابًا حقيقية لاختيار البقاء والمساهمة في بناء مستقبلهم داخل المغرب.

التعليقات مغلقة.