الإدارة المغربية.. متى يصبح المواطن أولا؟
بقلم: الإعلامي المتخصص "محمد عيدني"
تفرض التحولات التي يعرفها المغرب اليوم إعادة طرح سؤال العلاقة بين الإدارة والمواطن، ليس من زاوية المساطر والقوانين فقط، وإنما من زاوية أبسط وأكثر التصاقا بالحياة اليومية:
هل يشعر المواطن فعلاً بأن الإدارة وجدت لخدمته؟
يأتي هذا السؤال في وقت تضع فيه الدولة إصلاح الإدارة وتحديث الخدمات العمومية ضمن أولوياتها، مع مواصلة ورش الرقمنة وتطوير الخدمات الإلكترونية وتقريب الإدارة من المرتفق. وقد أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، خلال فبراير 2026، عن مشروع تطوير تطبيق «إدارتي» بهدف توفير ولوج موحد وذكي إلى الخدمات الرقمية وتعزيز القرب بين الإدارة والمواطن.
غير أن الانتقال الرقمي، رغم أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، لأن المواطن لا يبحث فقط عن منصة إلكترونية أو تطبيق جديد، وإنما يبحث قبل كل شيء عن خدمة سريعة، واضحة، عادلة، وميسرة.
وتؤكد التوجهات الرسمية نفسها أن إصلاح الإدارة يرتبط بمراقبة جودة الخدمات العمومية، وتسريع التحول الرقمي، وتقريب الجهاز الإداري، وتقليص الفوارق المجالية، بما يجعل خدمة المواطن محورا أساسيا في الحكامة العمومية.
ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية. فالمواطن الذي يقف أمام شباك إداري لا يهتم كثيرا بعدد البرامج الإصلاحية التي أطلقتها الدولة بقدر ما يريد أن يعرف: ما هي الوثائق المطلوبة؟ كم سيستغرق الملف؟ من المسؤول عن معالجته؟ ومتى سيحصل على الجواب؟
ويصبح احترام وقت المواطن جزءاً من جودة الخدمة العمومية. فكل ساعة يقضيها المرتفق في التنقل بين المكاتب، وكل وثيقة يطلب منه إحضارها دون توضيح مسبق، وكل ملف يتأخر دون تفسير، يمكن أن يتحول إلى مصدر لفقدان الثقة في الإدارة.
ولا يعني ذلك أن الإدارة المغربية لم تحقق تقدماً، بل إن هناك أوراشاً مهمة في مجال الرقمنة وتبسيط المساطر وتحسين الخدمات. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تعميم هذه التحسينات على مختلف الإدارات والمناطق، وجعلها محسوسة لدى المواطن في حياته اليومية.
وتزداد أهمية هذا الرهان في ظل التحول الرقمي المتسارع. فالرقمنة يمكن أن تقلص الطوابير، وتحد من التنقلات، وتوفر المعلومات، وتسمح بتتبع الملفات، لكنها قد تنتج شكلاً جديداً من الإقصاء إذا لم ترافقها مواكبة للفئات التي لا تتوفر على الوسائل أو المهارات الرقمية الكافية. ولهذا تتضمن التوجهات الحكومية مبدأ مواكبة المواطنين الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى الخدمات الرقمية.
ويحتاج المغرب، لذلك، إلى إدارة رقمية، لكن أيضا إلى إدارة إنسانية.
فالتكنولوجيا لا يمكن أن تعوض الموظف الذي يستقبل المواطن باحترام، ولا يمكن لمنصة إلكترونية أن تحل وحدها مشكلة غياب المعلومة أو تعقيد المسطرة. كما أن أفضل التطبيقات لن تكون ذات جدوى إذا بقيت بعض الخدمات مرتبطة بمنطق الانتظار والوثائق المتعددة والتعامل البيروقراطي.
وتفرض المرحلة المقبلة كذلك إعادة النظر في مفهوم المسؤولية داخل الإدارة. فالمسؤول الإداري لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على تدبير الملفات الداخلية، وإنما أيضاً بمدى نجاح المرفق الذي يشرف عليه في تقديم خدمة فعالة للمواطن.
ويحتاج هذا الأمر إلى ثقافة جديدة تقوم على التقييم والمحاسبة والنتائج، بحيث لا يكون السؤال فقط: هل تم تنفيذ البرنامج؟ وإنما:
هل تحسنت الخدمة؟ وهل انخفض زمن معالجة الملفات؟ وهل تراجعت الشكايات؟ وهل أصبح المواطن أكثر رضا عن المرفق العمومي؟
ويشكل هذا الجانب أهمية خاصة لأن الدولة نفسها تضع مراقبة جودة الخدمات العمومية ضمن محاور إصلاح الإدارة، إلى جانب اللاتمركز الإداري وتسريع التحول الرقمي وتقليص الفوارق المجالية.
وتظل العدالة المجالية إحدى أصعب حلقات هذا الإصلاح. فالمواطن في مدينة كبرى يجب أن يحصل على خدمة عمومية ذات جودة مماثلة، من حيث المبدأ، لما يحصل عليه المواطن في منطقة قروية أو شبه حضرية، مع مراعاة خصوصية كل مجال.
وتحتاج المناطق البعيدة إلى إدارة أكثر قرباً، لأن المسافة نفسها يمكن أن تتحول إلى عائق أمام الحصول على الحقوق والخدمات. ولهذا يصبح اللاتمركز الإداري ليس مجرد خيار تنظيمي، وإنما وسيلة لتقريب القرار والخدمة من المواطنين.
ويطرح الملف أيضا سؤالا آخر يتعلق بالعلاقة بين الموظف والمرتفق. فالإدارة لا يمكن أن تنجح في إصلاحها دون تحسين ظروف الموظفين وتكوينهم وتحفيزهم، وفي الوقت نفسه ترسيخ ثقافة المسؤولية والانضباط وجودة الاستقبال.
ولا ينبغي وضع الموظف والمواطن في مواجهة بعضهما البعض، لأن الطرفين جزء من منظومة واحدة.
الموظف يحتاج إلى ظروف عمل مناسبة ووسائل واضحة، والمواطن يحتاج إلى خدمة محترمة وفعالة. وكلما تحسنت بيئة العمل، ارتفعت فرص تحسين جودة الخدمة.
وتبرز هنا أهمية التكوين المستمر، خصوصا مع دخول الرقمنة والذكاء الاصطناعي إلى مختلف المجالات. فموظف الإدارة في المستقبل لن يكون مجرد منفذ للمساطر، بل سيحتاج إلى امتلاك مهارات رقمية وقدرة على التواصل وحل المشكلات والتعامل مع الأنظمة الحديثة.
كما أن المواطن نفسه أصبح أكثر وعياً بحقوقه وأكثر قدرة على مقارنة الخدمات، وهو ما يجعل الإدارة أمام جيل جديد من المرتفقين لا يقبل بسهولة التأخير غير المبرر أو غياب المعلومة.
وتحتاج الإدارة المغربية إلى الاستجابة لهذا التحول، ليس من خلال التشدد في المساطر، وإنما من خلال جعل المسطرة مفهومة وميسرة، وإتاحة المعلومات بشكل واضح، وتوفير قنوات فعالة للشكايات والتظلمات وتتبع الملفات.
وتشكل الشكايات في هذا السياق أداة مهمة لتحديد مكامن الخلل، إذا تم التعامل معها باعتبارها وسيلة لتحسين الإدارة وليس مجرد مصدر للإزعاج. فكل شكوى يمكن أن تكشف مشكلة في مسطرة أو نقصاً في المعلومة أو ضعفاً في التواصل.
ومن هنا، فإن الإدارة التي تستمع إلى المواطن ليست إدارة ضعيفة، بل إدارة قادرة على التعلم وتصحيح أخطائها.
ويحتاج المغرب كذلك إلى تعزيز الربط بين مختلف الإدارات، لأن المواطن لا ينبغي أن يكون هو حلقة الوصل بين مؤسسات الدولة.
فإذا كانت الإدارة تتوفر على معلومة قانونية أو إدارية معينة، فمن غير المنطقي أن يُطلب من المواطن في كل مرة إحضار وثائق يمكن تبادلها بين المصالح المختصة.
وتندرج هذه الرؤية ضمن الهدف الأوسع للرقمنة، الذي يفترض أن يجعل الخدمات أكثر تكاملاً وأقل اعتماداً على الوثائق والتنقلات، مع حماية المعطيات الشخصية وضمان الأمن المعلوماتي. ويشير مشروع تطوير «إدارتي» إلى اعتماد مبادئ حماية المعطيات والأمن المعلوماتي منذ مرحلة التصميم.
لكن النجاح لن يتحقق بالتكنولوجيا وحدها.
فالرقمنة تحتاج إلى حكامة، والحكامة تحتاج إلى مسؤولية، والمسؤولية تحتاج إلى تقييم، والتقييم يحتاج إلى مؤشرات واضحة يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت الإدارة قد تحسنت فعلا.
ويظل المواطن في نهاية هذه السلسلة هو الحكم الحقيقي.
فإذا أصبح استخراج الوثيقة أسهل، فقد نجحت الإدارة. وإذا انخفض زمن معالجة الملف، فقد نجحت الإدارة. وإذا أصبح المواطن يعرف حقوقه وواجباته دون الحاجة إلى وساطة، فقد نجحت الإدارة. وإذا أصبحت الشكاية تؤدي إلى تصحيح الخلل، فقد نجحت الإدارة.
أما إذا تغيرت التكنولوجيا وبقيت العقلية نفسها، فإن الإصلاح سيظل ناقصا.
وتفرض المرحلة الحالية الانتقال من مفهوم الإدارة التي تطلب من المواطن أن يتكيف معها إلى مفهوم الإدارة التي تتكيف مع حاجات المواطن، دون التفريط طبعاً في القانون والنظام والمصلحة العامة.
وهذا لا يعني إرضاء المواطن في كل الحالات، لأن الإدارة مطالبة بتطبيق القانون، وقد يكون الجواب في بعض الملفات بالرفض. لكن الفرق يكمن في أن يكون الرفض واضحا ومعللا ومبنيا على القانون، لا أن يكون نتيجة غموض أو تأخير أو غياب التواصل.
إن المواطن لا يريد إدارة تتجاوز القانون من أجله، وإنما يريد إدارة تطبق القانون بعدالة ووضوح وعلى الجميع.
وهنا تكمن إحدى أهم ركائز الثقة في المؤسسات.
فالثقة لا تبنى بالخطب وحدها، ولا بالمشاريع الكبرى فقط، وإنما تبنى أيضا في مكتب صغير، وفي جماعة ترابية، وفي مركز إداري، وفي مصلحة تستقبل المواطن، وفي موظف يشرح له المسطرة بوضوح ويحترم وقته وكرامته.
لقد قطعت المملكة أشواطاً مهمة في تحديث الإدارة، وتواصل رسمياً تطوير الخدمات الرقمية وتقريب المرفق العمومي من المواطن. لكن المرحلة المقبلة تتطلب جعل هذه الإصلاحات أكثر التصاقاً بالتجربة اليومية للمرتفق، حتى يصبح الإصلاح محسوساً وليس مجرد مفهوم إداري.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يرافق كل إصلاح إداري بسيطا وواضحا:
هل أصبح المواطن فعلا أولا؟
فالجواب لن تقدمه البيانات الرسمية وحدها، وإنما سيقدمه المواطن عندما يدخل الإدارة ويجد المعلومة، ويقدم ملفه دون تعقيد، ويتلقى جوابا في وقت معقول، ويحصل على الخدمة التي يستحقها في إطار القانون.
وعندما يصبح احترام المواطن قاعدة يومية، وجودة الخدمة معيارا للمسؤولية، والرقمنة وسيلة للتبسيط، والمحاسبة جزءا من الحكامة، يمكن عندها القول إن الإدارة المغربية دخلت فعلا مرحلة جديدة.
فالإدارة الناجحة ليست التي تملك أكبر عدد من المكاتب والوثائق، وإنما التي تجعل المواطن يشعر بأن الدولة قريبة منه، وأن القانون يحميه، وأن الخدمة العمومية حق وليست امتيازا.

التعليقات مغلقة.