أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تنفيذ الأحكام يحتاج إلى الإقناع قبل القوة

"جريدة أصوات" بقلم: الإعلامي المتخصص محمد عيدني الرباط

تفتح واقعة التدخل لتنفيذ حكم قضائي بالإفراغ بمنطقة الحنشة ببوقنادل نقاشا أوسع من تفاصيل المواجهة التي شهدتها العملية، لأن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعلق فقط بإنزال منطوق الحكم على أرض الواقع، وإنما يرتبط أيضاً بكيفية تدبير هذا التنفيذ، وبمدى القدرة على التواصل مع المعنيين بالأمر واحتواء التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة.

وتفيد المعطيات المتداولة أن عناصر من الدرك الملكي والقوات المساعدة تدخلت لتنفيذ حكم قضائي بالإفراغ، قبل أن تتحول العملية إلى مواجهة بعدما أقدم شخص وابنه، حسب المصادر المحلية، على تهديد عناصر التدخل باستعمال قضيب حديدي وحجارة وعصي، وهو ما انتهى إلى توقيف المعنيين وفتح بحث تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

ولا جدال في أن الأحكام القضائية واجبة الاحترام والتنفيذ، وأن القوات المكلفة بالتنفيذ تقوم بمهامها في إطار القانون والأوامر والتعليمات الصادرة إليها. كما أن الاعتداء أو التهديد أو استعمال العنف ضد عناصر الأمن أثناء قيامهم بمهامهم أمر لا يمكن تبريره أو التساهل معه.

لكن في المقابل، فإن احترام القانون لا يتعارض مع احترام الإنسان، وتنفيذ الحكم القضائي لا يعني بالضرورة أن تتم العملية بأسلوب يؤدي إلى تصعيد التوتر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص قد لا يدركون بشكل كامل طبيعة الإجراءات القانونية أو الآثار المترتبة عن الحكم الصادر في حقهم.

وهنا تبرز أهمية الخبرة الميدانية في تدبير عمليات التنفيذ.

فالعنصر الأمني المكلف بمثل هذه المهام لا يحتاج فقط إلى معرفة كيفية فرض النظام، وإنما يحتاج أيضاً إلى القدرة على التواصل، وقراءة الوضع الاجتماعي والنفسي للأشخاص المعنيين، واختيار اللحظة والأسلوب المناسبين للتدخل.

وقد يكون الحوار في بعض الحالات أكثر فعالية من القوة، خصوصاً عندما يكون المعني بالأمر شخصاً مسناً أو أسرة تعيش ظروفاً اجتماعية صعبة.

فالفلاح، كما هو معروف في عدد من المناطق، قد يكون محدود التعليم أو قليل المعرفة بالإجراءات القانونية، وقد لا يفهم أن الحكم القضائي أصبح واجب التنفيذ، أو قد يعتقد أن رفضه مغادرة المكان سيمنحه فرصة جديدة للطعن أو التفاوض.

وهنا تصبح مهمة رجال السلطة والقوات المكلفة بالتنفيذ أكثر تعقيدا، لأنها لا تتعلق فقط بتنفيذ قرار قضائي، وإنما تتطلب أيضاً شرح الوضع للمعني بالأمر وتهدئته وإفهامه حقوقه وواجباته، في حدود ما يسمح به القانون.

ولا يعني ذلك تعطيل الأحكام أو التشكيك في القضاء، وإنما يعني أن التنفيذ نفسه يجب أن يتم بطريقة تحفظ هيبة القضاء وتحافظ في الوقت ذاته على كرامة الأشخاص.

فالقضاء يصدر الحكم، والجهات المختصة تتولى تنفيذه، لكن الطريقة التي يتم بها التنفيذ يمكن أن تصنع الفرق بين عملية هادئة وعملية تتحول إلى مواجهة أمام أعين المواطنين.

وتبرز هنا أهمية وجود مسؤول أمني أو ضابط متمرس في مثل هذه العمليات، تكون لديه القدرة على إدارة الحوار وتقييم المخاطر واتخاذ القرار المناسب قبل الانتقال إلى أي إجراء أكثر صرامة.

فالتجربة الميدانية لا تقاس فقط بعدد التدخلات، وإنما بالقدرة على إنهاء العملية بأقل قدر ممكن من التوتر، وبما يحفظ سلامة رجال الأمن والمعنيين بالأمر في الوقت نفسه.

كما أن التواصل مع السكان المحيطين بالعملية له أهمية كبيرة، لأن تنفيذ الإفراغ أمام الجيران والمواطنين قد يتحول إلى مشهد شديد الحساسية، خصوصاً إذا تعلق الأمر بشخص مسن أو أسرة تعيش ظروفاً اجتماعية صعبة.

وفي مثل هذه الحالات، ينبغي أن تكون الأولوية لاحتواء الوضع وعدم السماح بتحوله إلى مشهد يمس كرامة الأشخاص أو يخلق توتراً داخل المجتمع المحلي.

إن القوة لا ينبغي أن تكون الخيار الأول عندما يكون الحوار ممكنا، لكن ذلك لا يعني التساهل مع أي شخص يستعمل العنف أو يهدد عناصر الأمن.

فإذا ثبت أن أحد المعنيين بالأمر استعمل قضيباً حديدياً أو حجارة أو عصياً ضد عناصر التدخل، فإن الأمر يصبح مسألة قانونية مستقلة عن مسألة الإفراغ، وتتحمل الجهات القضائية المختصة مسؤولية تحديد الأفعال والتكييف القانوني المناسب لها.

وفي الوقت نفسه، فإن تنفيذ الحكم يجب أن يبقى منفصلا عن أي سلوك إجرامي قد يقع أثناء العملية، حتى لا تختلط الأمور أمام الرأي العام.

وتحتاج مثل هذه الوقائع إلى خطاب متوازن لا يبرر الاعتداء على رجال الأمن، ولا يحول في المقابل عملية التنفيذ إلى مناسبة لإدانة اجتماعية مسبقة للمعنيين بها.

فالحقوق الإنسانية والكرامة يجب أن تظل حاضرة حتى أثناء تنفيذ الأحكام.

والحكم القضائي لا يسقط حق الإنسان في المعاملة الكريمة، كما أن صعوبة الوضع الاجتماعي لا تمنح أي شخص الحق في الاعتداء على القوة العمومية.

وبين هذين المبدأين يجب أن تتحرك عملية التنفيذ: هيبة القانون من جهة، وكرامة الإنسان من جهة أخرى.

وتزداد أهمية هذا التوازن في العالم القروي، حيث تكون العلاقة بين المواطن والسلطة أكثر حساسية، وحيث يحتاج تنفيذ الأحكام إلى قدر أكبر من التواصل والتفسير والتدرج، دون التفريط في تطبيق القانون.

فكثير من المواطنين في المناطق القروية لا يتوفرون على المعرفة القانونية الكافية، وقد لا يميزون بين الحكم النهائي والإجراء الإداري، أو بين حق الطعن وواجب التنفيذ، وهو ما يجعل التواصل المسبق عاملاً مهماً في تفادي سوء الفهم.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط أن تنفذ الأحكام، وإنما أن تنفذ بمهنية وهدوء وحكمة.

ويجب أن تكون كل عملية تنفيذ فرصة لإظهار قوة المؤسسات، لا لإظهار القوة فقط.

فالمؤسسة الأمنية القوية هي التي تستطيع فرض القانون عندما يكون ذلك ضروريا، وتستطيع في الوقت نفسه إقناع المواطن واحترام كرامته عندما يكون الحوار ممكنا.

كما أن احترام المواطنين للأحكام القضائية يتعزز عندما يشعرون بأن تنفيذها يتم وفق القانون وبأسلوب يحترم الجميع.

إن هيبة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ الحكم، وإنما أيضاً بالطريقة التي تنفذ بها هذا الحكم.

ولهذا فإن واقعة الحنشة ببوقنادل، بعيداً عن المسؤوليات التي ستحددها الأبحاث القضائية بشأن ما وقع أثناء التدخل، تستحق أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في آليات تدبير عمليات الإفراغ والتنفيذ الميداني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص مسنين أو أسر في وضعيات اجتماعية هشة.

فالحكم القضائي يجب أن ينفذ، نعم، لكن المواطن يجب أن يبقى إنسانا أثناء تنفيذه.

وبين قوة القانون وقوة التدخل، تبقى قوة الحكمة هي التي تستطيع في كثير من الأحيان أن تمنع المواجهة قبل وقوعها.

التعليقات مغلقة.