تقترب ساعة الانتخابات، ومعها ترتفع حرارة الكواليس في العاصمة العلمية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس فقط: من سيفوز؟ بل: كيف سيصل؟ وبأي ثمن؟ ولحساب من؟
في فاس، بدأت تتداول في الأوساط السياسية والانتخابية أحاديث مقلقة عن عودة منطق «الهمزة» إلى الواجهة؛ منطق يجعل المقعد الانتخابي أقرب إلى فرصة استثمارية أو امتياز عائلي، بدل أن يكون مسؤولية سياسية وتكليفاً شعبياً.
والأخطر أن الحديث لم يعد يدور فقط حول صراع البرامج والأفكار، وإنما حول أسماء تُدفع إلى الواجهة بسبب روابط عائلية، وأخرى بسبب النفوذ المالي، فيما تجد كفاءات حقيقية نفسها خارج الحسابات، وكأن السياسة أصبحت نادياً مغلقاً لا يدخله إلا أصحاب المفاتيح.
«دخل بنتك.. دخل مراتك»؟
هنا يبدأ السؤال الحرج.
هل أصبحت بعض اللوائح الانتخابية مجالاً لإعادة إنتاج النفوذ داخل العائلة نفسها؟
وهل تحولت مشاركة النساء في الحياة السياسية، وهي مكسب ديمقراطي لا جدال فيه، إلى مجرد وسيلة لتمديد النفوذ السياسي والعائلي عبر تقديم الزوجة أو الابنة أو القريبة، بدل فتح المجال أمام نساء راكمن التجربة والنضال والكفاءة؟
إذا كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في المرأة إطلاقاً، وإنما في العقلية التي تختزلها في اسم عائلي أو واجهة انتخابية.
فالمرأة الفاسية التي ناضلت سنوات في المجتمع المدني، والنقابات، والأحزاب، والجامعات، والمهن الحرة، تستحق موقعها بجدارتها، لا أن تُزاح لصالح من يملك فقط الاسم أو المال أو شبكة العلاقات.
أين ذهبت الكفاءات؟
السؤال الأكثر إزعاجاً: أين اختفت الكفاءات؟
أين المحامي الذي يعرف القانون ويدافع عن حقوق الناس؟
أين المهندس الذي يفهم مشاكل التخطيط والتعمير؟
أين الأستاذ والباحث والخبراء والأطر الشابة التي تعرف ملفات فاس وتفاصيل أحيائها ومشاكلها؟
وأين المناضل الذي قضى سنوات في العمل السياسي دون أن يحول السياسة إلى مشروع عائلي؟
حين تصبح القدرة على الإنفاق أو قوة الاسم العائلي أهم من الكفاءة، فإن الديمقراطية نفسها تبدأ في فقدان معناها.
فالمقعد الانتخابي ليس جائزة عائلية، والبرلمان ليس شركة مساهمة، والمجلس الجماعي ليس مكتباً خاصاً.
والمال… من يدفع الفاتورة؟
الأكثر خطورة هو الحديث المتزايد عن المال الانتخابي ودوره المحتمل في توجيه المنافسة.
وهنا لا بد من الصراحة:
إذا كان المال يشتري الحضور، ويشتري التعبئة، ويشتري الأصوات، فمن يشتري المقعد اليوم… ماذا يريد أن يسترجع غداً؟
السؤال مشروع، والجواب يجب أن يكون واضحاً.
فالانتخابات ليست مزاداً علنياً، والمواطن ليس سلعة، وصوته ليس ورقة مالية قابلة للبيع والشراء.
ومن يعتقد أن بإمكانه ضخ الأموال خلال الحملة ثم استعادة أضعافها بعد الوصول إلى مواقع القرار، فهو لا يخوض معركة ديمقراطية، وإنما يتعامل مع السياسة بمنطق الاستثمار والربح والخسارة.
وهذا بالضبط ما يجب أن تخشاه فاس.
من «الهمزة» إلى الصفقة؟
المشكلة لا تنتهي يوم إعلان النتائج.
بل ربما تبدأ.
لأن السؤال الذي ينبغي أن يسبق يوم الاقتراع هو:
ماذا ينتظر من أنفق الملايين حتى يصل؟
هل ينتظر فقط خدمة المواطنين؟
هل سيضع مصلحة المدينة فوق مصالحه الخاصة؟
هل سيقاوم تضارب المصالح؟
هل سيحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين؟
أسئلة محرجة، لكنها ضرورية.
فحين يدخل المال بقوة إلى الانتخابات، تصبح الشفافية أكثر من مجرد شعار، وتصبح مراقبة مصادر التمويل والإنفاق الانتخابي واجباً لا يحتمل التساهل.
فاس ليست «ضيعة» لأحد
يجب أن تُقال الأمور كما هي:
فاس ليست ضيعة انتخابية.
وليست ملكاً لعائلة، ولا لحزب، ولا لرجال أعمال، ولا لشبكات المصالح.
فاس مدينة عريقة، وسكانها ليسوا مجرد أرقام تُستعمل في ليلة الاقتراع ثم تُنسى بعد إغلاق الصناديق.
ومن يطلب صوت الفاسيين عليه أن يكون مستعداً للإجابة عن أسئلتهم بعد الفوز، لا أن يختفي خلف الجدران بمجرد إعلان النتائج.
أين الرقابة؟
وهنا تتجه الأنظار إلى الجهات المكلفة قانوناً بحماية نزاهة العملية الانتخابية.
فإذا كانت هناك معطيات أو شكايات أو مؤشرات على استعمال المال للتأثير في الناخبين، فإن المطلوب هو التحقق الجدي، لا الصمت؛ والمراقبة، لا التغاضي؛ وتطبيق القانون، لا الانتقائية.
ولا ينبغي أن يشعر أي مرشح، مهما كان اسمه أو نفوذه أو علاقاته، بأنه فوق الرقابة.
فالانتخابات النزيهة لا تحتاج إلى شعارات كثيرة؛ تحتاج إلى قانون يطبق على الجميع.
المواطن هو خط الدفاع الأخير
لكن السلطة وحدها لا تستطيع حماية الانتخابات إذا قرر المواطن بيع صوته.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ من الناخب.
لا تبيع صوتك.
لا تستبدل أربع سنوات من التمثيلية بمبلغ يُدفع في يوم واحد.
لا تجعل حاجتك المؤقتة سبباً في انتخاب من قد يصنع مستقبلك على مقاس مصالحه.
فالصوت الذي يُباع اليوم قد يتحول غداً إلى طريق مسدود أمام مستشفى، أو مدرسة، أو شارع، أو مشروع، أو فرصة عمل.
والرسالة إلى «أصحاب الهمزة» واضحة
من يريد دخول السياسة فليدخل من باب الكفاءة.
ومن يريد ثقة المواطنين فليقدم برنامجاً.
ومن يريد تمثيل فاس فليثبت أنه قادر على خدمة فاس.
أما من يعتقد أن المال والقرابة والنفوذ قادرة وحدها على صناعة الشرعية، فعليه أن يعرف أن صندوق الاقتراع ليس خزنة خاصة.
لقد حان الوقت لكي تتوقف السياسة عن إنتاج نفس الوجوه بنفس الأساليب، وأن يُفتح الباب أمام الكفاءات الحقيقية، والشباب، والنساء المناضلات، والطاقات المستقلة، وكل من يريد خدمة المدينة بعيداً عن منطق الريع.
فاس لا تحتاج إلى منتخب يسأل أولاً: «كم سأربح؟»
بل إلى منتخب يسأل:
«ماذا سأقدم؟»
وهنا تحديداً يوجد الفارق بين السياسة كمسؤولية والسياسة كـ*«همزة»*.
أما إذا تحولت الانتخابات إلى سباق عائلي ومالي، فإن الخاسر لن يكون مرشحاً بعينه.
الخاسر ستكون فاس.
والأخطر من ذلك أن المواطن قد يفقد آخر ما تبقى لديه من ثقة في أن صوته قادر فعلاً على تغيير شيء.
فهل تتحرك الرقابة قبل أن تتحول الانتخابات في فاس إلى سوق مفتوحة؟
وهل يُمنح المقعد لمن يستحقه… أم لمن يملك المال والاسم والعائلة؟

التعليقات مغلقة.