بعد أكثر من عقد من العمليات العسكرية والحملات الأمنية لملاحقة الجماعات المسلحة في إفريقيا، لا تزال التهديدات المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة قائمة، بل اتسع نطاق نشاطها في عدد من بؤر التوتر، خصوصاً في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد والصومال وشمال موزمبيق.
وتشير معطيات مركز الدراسات الاستراتيجية الإفريقية إلى ارتفاع مستويات العنف المرتبط بالجماعات الإسلامية المسلحة خلال 2026، مع تسجيل آلاف الضحايا خلال الأشهر الماضية. وتظل منطقة الساحل في صدارة المناطق المتضررة، إلى جانب الصومال وحوض بحيرة تشاد، فيما شهدت مناطق أخرى ارتفاعاً في أعداد الضحايا والنازحين نتيجة تجدد الهجمات.
جماعات تتكيف مع العمليات العسكرية
في نيجيريا، تواجه السلطات تهديدات متعددة المصادر، تشمل بوكو حرام وجماعات مرتبطة بتنظيم داعش، إلى جانب عصابات تنشط في عمليات الاختطاف مقابل الفدية. وشهدت مناطق في شمال ووسط البلاد هجمات متفرقة استهدفت مدنيين ومواقع عامة.
ويمتد النشاط المسلح إلى دول أخرى، إذ تواصل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة عملياتها في الصومال، مستهدفة مواقع حكومية وقوات أمن وأماكن عامة، فيما يحاول الجيش الصومالي، بدعم من شركائه، استعادة المناطق الخاضعة لنفوذ الحركة.
وفي شمال موزمبيق، عاد تنظيم داعش إلى تكثيف نشاطه في إقليم كابو ديلغادو، مع تسجيل تحركات وهجمات جديدة بعد سنوات من العمليات العسكرية التي استهدفت مقاتليه.
تفوق ميداني لا يتحول دائماً إلى استقرار
يرى محللون أن إحدى أبرز مشكلات المقاربة الأمنية في إفريقيا تتمثل في صعوبة تحويل الانتصارات العسكرية المؤقتة إلى سيطرة مستدامة على الأرض.
فالجيوش النظامية تركز عادة على حماية المدن والقواعد والطرق الرئيسية، بينما تعتمد الجماعات المسلحة على الكمائن والهجمات المباغتة والتخفي وسط المجتمعات المحلية والتحرك عبر الحدود.
وتزداد صعوبة هذه المهمة في مناطق شاسعة وقليلة السكان، خصوصاً في منطقة الساحل، حيث تعاني العديد من المناطق من ضعف البنية التحتية وصعوبة إيصال القوات والإمدادات والمعلومات الاستخباراتية.
وتستفيد الجماعات المسلحة من هذه الظروف لتوسيع نطاق تحركها والانتقال بين المناطق الحدودية، مستفيدة في الوقت نفسه من ضعف الحضور الإداري والأمني للدولة في بعض المناطق النائية.
الفقر والنزاعات المحلية عاملان مساعدان
ولا ترتبط الظاهرة بالعامل العسكري وحده، إذ تساهم عوامل اجتماعية واقتصادية في توفير بيئة تسمح للجماعات المسلحة بتوسيع نفوذها.
وتشمل هذه العوامل الفقر والتهميش وضعف الخدمات العمومية والنزاعات حول الأراضي والمياه، إضافة إلى التوترات بين الرعاة والمزارعين. وتستغل الجماعات المسلحة في بعض الحالات هذه المظالم والانقسامات المحلية من أجل التجنيد وبناء شبكات نفوذ.
كما يحذر باحثون من أن الانتهاكات أو أعمال العنف التي تطال المدنيين قد تتحول، في بعض السياقات، إلى عامل إضافي تستغله الجماعات المتطرفة لتعزيز خطاب التجنيد وكسب التعاطف.
الحدود المفتوحة واقتصاد الحرب
ويرى متخصصون أن الجماعات المسلحة استفادت من اتساع المناطق الحدودية وضعف الرقابة عليها، إلى جانب قدرتها على تنويع مصادر التمويل عبر التهريب وعمليات الاختطاف والاقتصاد غير الرسمي.
كما ساهمت التحولات التي عرفتها التنظيمات المسلحة في تطوير أساليبها، بما في ذلك استهداف طرق الإمداد والبنية التحتية والقوافل، فضلاً عن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في بعض مناطق النزاع.
وفي هذا السياق، يرى المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية عبد المنعم همت أن انتقال جزء من نشاط التنظيمات المتطرفة نحو الساحل وحوض بحيرة تشاد والصومال وشمال موزمبيق يعكس قدرة هذه الجماعات على إعادة توزيع نشاطها وفق التحولات الأمنية والعسكرية الدولية.
ويشير همت إلى أن اختلاف ارتباطات هذه الجماعات، بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وجماعات محلية، لا يمنع وجود صلات فكرية وتنظيمية وتبادل للخبرات والموارد، خصوصاً في المناطق الحدودية.
السودان يضيف بؤرة جديدة إلى المشهد
وتثير الحرب في السودان مخاوف إضافية بشأن إمكانية توسع نشاط الجماعات المتطرفة في المنطقة، في ظل انتشار الأسلحة وضعف المؤسسات الأمنية وتراجع الخدمات وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ويحذر باحثون من أن استمرار الحرب قد يوفر بيئة مواتية لإعادة تنظيم جماعات متطرفة لشبكاتها، أو ظهور تشكيلات مسلحة جديدة ذات توجهات متشددة.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات إلى تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المنطقة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما فيها تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، لتطوير آليات الإنذار المبكر وتعقب شبكات التمويل والتحرك.
صراع الجماعات المسلحة في ما بينها
ولا تقتصر التحديات الأمنية على المواجهة بين الحكومات والجماعات المسلحة، إذ تشهد بعض المناطق تنافساً متزايداً بين التنظيمات نفسها.
وتظهر منطقة الساحل مثالاً واضحاً على هذا الصراع، مع استمرار المواجهات بين جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وأخرى موالية لتنظيم داعش، في صراع على مناطق النفوذ وطرق التمويل وممرات الحركة.
وتشير بيانات متخصصة إلى أن هذه المواجهات أسفرت خلال السنوات الماضية عن سقوط آلاف المقاتلين، فيما توسعت رقعة الاشتباكات لتشمل مناطق جديدة في النيجر ونيجيريا، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو.
معركة تتجاوز الحل العسكري
تكشف التطورات المتلاحقة أن مكافحة الجماعات المتطرفة في إفريقيا تواجه تحديات تتجاوز القدرة العسكرية على تنفيذ الضربات واستعادة المدن والمناطق.
فالسيطرة المستدامة تتطلب، إلى جانب العمليات الأمنية، حضوراً فعلياً للدولة، وخدمات أساسية، وفرصاً اقتصادية، وضبطاً للحدود، وآليات فعالة لمكافحة مصادر التمويل، إضافة إلى معالجة النزاعات المحلية التي تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد وتوسيع النفوذ.
وبذلك، تبدو المعركة في إفريقيا مرتبطة بقدرة الدول على الانتقال من إدارة الهجمات بعد وقوعها إلى بناء منظومات أمنية وتنموية واستخباراتية قادرة على الحد من قدرة الجماعات المسلحة على إعادة إنتاج نفسها والتكيف مع الضغوط العسكرية.
التعليقات مغلقة.