أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

غلاء المعيشة يضع حكومة المنصوري أمام اختبار القدرة الشرائية

جريدة أصوات

تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، منذ بداية ولايتها، اختباراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ الصعوبة، في ظل تصاعد مخاوف المغاربة من استمرار غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات، وتزايد أثمان الخضر والمواد الغذائية الأساسية، وهي وضعية تضع القدرة الشرائية للأسر المغربية في قلب النقاش العمومي، وتعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية السياسية عن الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
لم يعد المواطن المغربي منشغلاً فقط بالوعود والبرامج الحكومية، بل أصبح يبحث عن إجابات ملموسة أمام واقع يومي يزداد صعوبة. فالموظف الذي يتقاضى أجراً محدوداً، والعامل الذي يعتمد على دخله اليومي، والمتقاعد الذي ينتظر معاشه في نهاية الشهر، جميعهم يجدون أنفسهم أمام مصاريف متزايدة لا تتناسب مع إمكاناتهم المالية.
وفي الأسواق، أصبحت أسعار الخضر والفواكه والمواد الأساسية موضوع تذمر واسع، بينما تضيف المحروقات عبئاً آخر على الأسر ومهنيي النقل والتجار، لتتحول موجة الغلاء إلى قضية اجتماعية تتجاوز حدود الأرقام والمؤشرات الاقتصادية.
هل ورثت المنصوري أزمة حكومة أخنوش؟
من الإنصاف السياسي والاقتصادي الاعتراف بأن الحكومة الجديدة لا تبدأ من نقطة الصفر، بل ترث حصيلة سنوات من التدبير الحكومي، وما راكمته من اختلالات وتحديات في قطاعات متعددة، وعلى رأسها القدرة الشرائية، وتنظيم الأسواق، ومراقبة المنافسة، وتدبير ملف المحروقات.
لكن المسؤولية السياسية لا تتوقف عند حدود الحكومة السابقة. فبمجرد تحمل المسؤولية، تصبح الحكومة الجديدة مطالبة بتقديم أجوبة وحلول، وليس الاكتفاء بتفسير الأزمة بما ورثته عن سابقتها.
إن المغاربة لا يريدون الدخول في سجال حول من يتحمل المسؤولية وحده، بقدر ما يريدون معرفة من سيوقف نزيف القدرة الشرائية، ومن سيعيد التوازن إلى الأسواق، ومن سيضمن أن تصل المنتجات الفلاحية إلى المستهلك بأسعار معقولة.
المحروقات والخضر.. أزمة متداخلة أم مصادفة اقتصادية؟
يثير تزامن ارتفاع أسعار المحروقات مع ارتفاع أثمان عدد من الخضر والمنتجات الغذائية تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج والتوزيع.
فالمحروقات عنصر أساسي في سلسلة تموين الأسواق، وأي زيادة في تكلفتها قد تنعكس على النقل والشحن والتوزيع، غير أن ارتفاع أسعار الخضر لا يمكن تفسيره بالمحروقات وحدها، إذ تتدخل عوامل أخرى، من بينها الظروف المناخية، وحجم الإنتاج، والوسطاء، وتكاليف التخزين، والطلب الخارجي.
وهنا تبرز ضرورة أن تتحرك الحكومة بآليات مراقبة حقيقية، وأن تكشف للرأي العام عن الأسباب الفعلية وراء الزيادات، بدل ترك المواطن أمام تعدد التبريرات دون نتائج ملموسة.
فلا يعقل أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة تجارية طويلة، يتحمل فيها وحده نتائج ارتفاع التكاليف ومشاكل التسويق وضعف المنافسة.
امتحان المنصوري الحقيقي هو جيوب المغاربة
لا شك أن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري تدرك حجم التحديات التي تواجهها، لكن النجاح السياسي لأي حكومة لا يقاس فقط بعدد الاجتماعات والبلاغات والبرامج المعلنة، بل بمدى انعكاس قراراتها على الحياة اليومية للمواطنين.
إن المواطن ينتظر إجراءات واضحة لمراقبة الأسواق، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وتقليص حلقات الوساطة غير الضرورية، وتعزيز المنافسة، وضمان وفرة المنتجات الأساسية بأسعار مناسبة.
كما أن ملف المحروقات يحتاج إلى معالجة استراتيجية، تشمل تعزيز الأمن الطاقي، وتوضيح مكونات الأسعار وهوامش التوزيع، وفتح النقاش حول مستقبل مصفاة لاسامير، باعتبارها قضية وطنية مرتبطة بالسيادة الطاقية والاقتصاد الوطني.
ولا ينبغي أن تتحول محاربة الغلاء إلى مجرد شعار سياسي، لأن الأسر المغربية لم تعد تملك القدرة على تحمل موجات متتالية من الزيادات دون إجراءات تخفيفية حقيقية.
الحكومة الجديدة أمام مسؤولية تاريخية
إن المرحلة تفرض على حكومة المنصوري أن تثبت أن تغيير القيادة الحكومية يمكن أن يحمل معه تغييراً في أسلوب التدبير، وأن يجعل المواطن في صدارة الأولويات.
فالمطلوب ليس الدخول في مواجهة سياسية مع الحكومة السابقة، ولا تحميلها جميع الاختلالات، وإنما إجراء تقييم موضوعي للحصيلة السابقة، وتحديد مكامن الخلل، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في الإضرار بالمنافسة أو التلاعب بالأسعار، وفق القانون.
إن المغاربة يريدون سوقاً عادلة، ومحروقات بأسعار تخضع لمنافسة حقيقية، وخضراً لا تتجاوز القدرة الشرائية للأسر، وسياسة اقتصادية تحمي الطبقة المتوسطة والفئات الهشة من التآكل الاجتماعي.

تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة سياسية لن يكون فيها هامش الخطأ واسعاً، لأن المواطن ينتظر نتائج ملموسة، وليس إعادة إنتاج الوعود نفسها التي سمعها خلال السنوات الماضية.
قد تكون موجة الغلاء الحالية مرتبطة بتراكمات داخلية وعوامل دولية ومناخية، لكن مواجهة آثارها تقع اليوم ضمن مسؤولية الحكومة القائمة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ستنجح حكومة المنصوري في تصحيح اختلالات الماضي وتخفيف معاناة المغاربة، أم ستجد نفسها أمام أزمة اجتماعية جديدة عنوانها تراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة؟
إن امتحان الحكومة الحقيقي ليس في تدبير الأرقام على الورق، بل في حماية جيوب المغاربة، لأن المواطن لا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية، بينما ترتفع أسعار المحروقات والخضر والمواد الأساسية. الوسوم

التعليقات مغلقة.