انتخابات الصحافة..مشاهد الاكتظاظ تطرح أسئلة محرجة
"جريدة أصوات" بقلم 'الأستاذ محمد عيدني' "الرباط"
تطرح المشاهد التي رافقت عملية التصويت في انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026 أكثر من علامة استفهام حول كيفية تدبير استحقاق مهني يفترض أن يكون نموذجاً في التنظيم والانضباط واحترام كرامة الصحافي.
فقد شهد مكتبا التصويت بجهة الرباط–سلا–القنيطرة وفق بلاغ عاجل للنقابة الوطنية للصحافة المغربية اكتظاظا شديدا وطوابير طويلة وتدافعا وصعوبات في الولوج وهي ظروف أثارت استياء عدد من الصحافيين والمهنيين.
والسؤال هنا ليس هامشيا ولا يتعلق بمجرد طابور أمام مكتب اقتراع، وإنما يتعلق بصورة مؤسسة مهنية يفترض أن تدافع عن أخلاقيات المهنة وتنظيمها وحماية كرامة العاملين فيها.
فإذا كان الصحافي، وهو الذي يطلب منه يوميا احترام القانون والمساطر والآجال والتنظيم يجد نفسه أمام ارتباك في ممارسة حق مهني أساس، فمن حق الجسم الصحافي أن يسأل بوضوح:
من يتحمل مسؤولية هذا الاختلال؟ ومن أعد لهذه العملية؟ وهل كانت الإمكانات اللوجستيكية والتنظيمية متناسبة مع عدد الناخبين؟
والأخطر أن اللجنة المؤقتة كانت قد حددت رسميا تاريخ الاقتراع في 15 شتنبر، مع فتح مكاتب التصويت من التاسعة صباحا إلى السادسة مساء كما نشرت قرارات تنظيمية تتعلق بمقرات مكاتب التصويت والإجراءات والمساطر الواجب احترامها.
وبالتالي فإن الحديث عن صعوبات الولوج والاكتظاظ لا ينبغي أن ينتهي ببلاغ عابر أو بتبادل المسؤوليات بل يستدعي توضيحا مهنيا ومؤسساتيا للرأي العام الصحافي.
لقد كان المطلوب أن يكون يوم انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين مناسبة لإبراز قدرة الجسم الصحافي على تنظيم استحقاقاته بنفسه في ظروف تحفظ للناخب حقه وكرامته، لا أن تتحول العملية إلى مشاهد انتظار وتدافع وارتباك.
ومن حق الصحافيين الذين تحملوا عناء التنقل والانتظار أن يعرفوا لماذا لم تكن عملية الولوج أكثر انسيابية، وما هي الإجراءات التي اتخذت مسبقاً لتفادي مثل هذه الوضعية وهل جرى تقييم عدد الناخبين المتوقع حضورهم فعليا بكل مكتب أم أن التدبير جاء في آخر لحظة أمام حجم المشاركة؟
المسؤولية هنا ليست تهمة جاهزة في حق أي جهة، لكنها مسؤولية تنظيمية تستوجب التوضيح.
ومن غير المقبول مهنيا أن يطلب من الصحافي احترام قواعد العمل الصحافي بينما لا يجد أمامه بالضرورة نفس المستوى من الانضباط حين يتعلق الأمر باستحقاق مهني يهمه مباشرة.
كما أن كرامة الصحافي ليست تفصيلا ثانويا.
فالصحافي ليس رقما في لائحة انتخابية، ولا شخصا مطالبا فقط بالوصول إلى صندوق الاقتراع كيفما كانت الظروف؛ إنه مهني له حق في الولوج المنظم والآمن، وفي معرفة المساطر، وفي ممارسة حقه الانتخابي دون عراقيل غير مبررة.
والنقابة الوطنية للصحافة المغربية دعت، بحسب بلاغها، إلى تدخل عاجل لتطويق الاكتظاظ وضمان ظروف ملائمة وآمنة للتصويت، كما طالبت بتوضيح المسؤوليات بشأن الاختلالات التنظيمية وفتح نقاش جدي حول ما جرى لتفادي تكراره مستقبلا.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أوسع من مجرد انتقاد ظرفي: انتخابات المجلس الوطني للصحافة ليست شأنا تنظيميا عاديا لأنها مرتبطة بصورة المهنة وبالثقة في مؤسساتها.
فالمجلس الذي ينتظر منه الصحافيون أن يكون عنوانا للتنظيم والاحتراف والدفاع عن أخلاقيات المهنة يجب أن تكون طريقة انتخاب أعضائه نفسها محكومة بأعلى درجات الوضوح والانضباط والشفافية.
إن ما وقع، بحسب المعطيات المتداولة والبلاغات الصادرة يستوجب الوقوف عليه بمسؤولية بعيدا عن المزايدات أو تصفية الحسابات.
المطلوب ببساطة هو كشف ما وقع تحديد مكامن الخلل وتحديد المسؤوليات ثم استخلاص الدروس.
فالصحافة المهنية لا تخاف من النقد، والمؤسسات المهنية القوية لا تهرب من الأسئلة الصعبة.
والرسالة الأهم اليوم هي أن كرامة الصحافي وحقه في ممارسة صوته المهني ليستا امتيازا تمنحهما جهة، وإنما أساس من أسس أي استحقاق انتخابي سليم.
وإذا كانت هذه الانتخابات يفترض أن تفتح صفحة جديدة في تدبير الشأن الصحافي فإن أول اختبار لها يبدأ من احترام أبسط قاعدة: تنظيم الاقتراع بما يضمن لكل صحافي حقه في التصويت في ظروف لائقة واضحة وآمنة.
أما ترك الصحافيين أمام طوابير طويلة واكتظاظ وتدافع ثم انتظار تفسير لاحق، فذلك يفرض على الجهات المشرفة أن تقدم للرأي العام المهني أجوبة واضحة، لا تبريرات عامة.
المهنية تبدأ من طريقة التنظيم، والنزاهة تبدأ من احترام الناخب والثقة لا تطلب بالكلام وإنما تبنى بالممارسة.

التعليقات مغلقة.