أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تونس :حين يصبح الصحفي هو الخبر… من يحمي حق التونسي في أن يعرف؟

"جريدة أصوات" متابعة :سلــــوى الجيـــلاني بوعلـــي "الـــدار البيـــــضاء"

في تونس لم تعد قضية الصحافة مجرد نقاش مهني حول أخلاقيات

المهنة أو حدود النقد لقد أصبحت أكثر من أي وقت مضى سؤالا يتعلق بصورة الدولة وبحق المجتمع في المعرفة وبالمساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الصحفي وهو يؤدي وظيفته الأساسية : أن يسأل وأن يبحث وأن ينقل ما يراه ويسمعه وأن يختلف.

خلال الأيام الأخيرة عاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة مع توقيف الصحفي محمد اليوسفي الذي أوقف يوم 4 سبتمبر 2026 أمام مقر إذاعة خاصة كان متوجها إليها للمشاركة في برنامج إذاعي. وأعلنت نقابة الصحفيين التونسيين لاحقا تمديد الاحتفاظ به 48 ساعة إضافية، مطالبة بالإفراج عنه واحترام ضمانات المحاكمة العادلة.

وليس من الضروري أن نتفق مع الصحفي في مواقفه أو مع ما يكتبه أو يقوله حتى ندافع عن حقه في التعبير.

تلك هي جوهر المسألة.

 

فالصحافة ليست امتيازا يمنح للصحفي عندما يكون صوته قريبًا من السلطة ثم يسحب منه عندما يصبح ناقدا أو مزعجا أو مختلفا.

الصحافة، في معناها الحقيقي هي أن تكون قادرة على طرح الأسئلة الصعبة خصوصا عندما لا تكون الإجابات مريحة.

وقد وثقت نقابة الصحفيين التونسيين خلال الفترة الماضية حالات من التضييق على التغطية الميدانية ومنع صحفيين من متابعة بعض القضايا والجلسات إضافة إلى صعوبات في النفاذ إلى المعلومة.
كما أشارت إلى استمرار وجود صحفيين خلف القضبان معتبرة أن ذلك يمثل تراجعا مقلقا في واقع حرية الصحافة.

أما لجنة حماية الصحفيين فقد أشارت في تقرير حديث إلى وضع بالغ الحساسية يعيشه عدد من الصحفيين التونسيين : بعضهم صدرت في حقهم أحكام سجنية لكنهم ما زالوا خارج السجن فيما يقبع آخرون خلف القضبان الأمر الذي يجعل ممارسة المهنة نفسها محكومة بالخوف من الملاحقة أو العودة إلى السجن.

 

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء أكبر من أسماء الأشخاص والقضايا.

عندما يخاف الصحفي من السؤال يخسر المواطن جزء من حقه في المعرفة.

وعندما تصبح التغطية الميدانية محفوفة بالمنع أو التضييق لا يخسر الصحفي وحده بل يخسر المجتمع صورة حقيقية عن نفسه.

وعندما يتحول النقد إلى سبب كافٍ لفتح أبواب التتبع فإن الخطر لا يتوقف عند حدود الإعلام بل يمتد إلى المجال العام كله.

إن الدولة القوية لا تخشى الصحفي الذي يسأل ولا تعتبر النقد إهانة ولا ترى في اختلاف الرأي تهديدا لهيبتها.

الدولة القوية هي التي تستطيع أن تجيب.

تجيب بالحجة عندما يكون السؤال سياسيا وبالمعلومة عندما يكون السؤال اجتماعيا وبالقانون عندما تكون هناك شبهة أو مخالفة وبالقضاء المستقل عندما يكون النزاع قضائيا.

 

أما الصحفي فليس فوق القانون كما أنه ليس خارج المسؤولية المهنية.
وإذا أخطأ أو تجاوز فهناك قانون وقضاء وضمانات ومحاكمة عادلة.

لكن الفرق كبير بين محاسبة الصحفي وفق القانون وبين جعل المناخ العام حول الصحافة قائما على الخوف والترهيب.

ولذلك فإن الدفاع عن الصحفي لا يعني الدفاع عن كل ما يقوله الصحفي.

إنه دفاع عن المبدأ الذي يسمح لنا جميعا بالاختلاف معه وبالرد عليه وبنقده دون أن نحتاج إلى إسكات صوته.

تونس التي عرفت صحافة ونقابة ومجتمعا مدنيا لعبوا أدوارا مهمة في تاريخ البلاد، تستحق أن تحافظ على هذه المساحة من التعدد والاختلاف.

فالصحفي ليس عدوا للدولة.

والنقد ليس خيانة.

والسؤال ليس جريمة.

والاختلاف ليس مؤامرة.

وفي النهاية تبقى حرية الصحافة امتحانا حقيقيا لأي دولة : ليس عندما يمدحها الصحفي وإنما عندما ينتقدها وليس عندما ينقل روايتها وإنما عندما يسألها عن الرواية الأخرى.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال اليوم هو أن تونس لا تحتاج إلى صحافة تصفق لها كما لا تحتاج إلى صحافة تعاديها.

إنها تحتاج إلى صحافة حرة مهنية مسؤولة وشجاعة.

صحافة تستطيع أن تقول : هذا جيد عندما يكون جيدا وأن تقول: هذا خطأ عندما يكون خطأ.

لأن الوطن الذي يحمي حق الصحفي في السؤال يحمي في الحقيقة حق المواطن في أن يعرف.

وهذا الحق لا ينبغي أن يكون محل خوف أو مساومة.

التعليقات مغلقة.