استضاف البرلمان الإيطالي في العاصمة روما مؤتمراً دولياً بارزاً تحت عنوان “الأزمة الإيرانية؛ الحل الديمقراطي للمستقبل”، بمشاركة واسعة من نواب وأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب شخصيات سياسية وقانونية أوروبية ودولية. وقد تصدرت أعمال المؤتمر السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فيما تولى إدارة الجلسات السيد ماورو بازوتشي رئيس تحرير صحيفة إيل دوبيو. ويهدف هذا الحراك التشريعي والدبلوماسي إلى إعادة قراءة ملامح الأزمة الإيرانية الراهنة، وتفكيك بنية السياسات الغربية المتبعة، لا سيما بعد تصاعد الحراك الاحتجاجي الداخلي وتعمق الهوة بين بنية الحكم والمجتمع.
تصدع منظومة الاسترضاء وتوازنات الصراع الإقليمي
شهد المؤتمر نقاشات معمقة حول إخفاقات سياسة الاسترضاء التاريخية التي اتبعتها عواصم الغرّب تجاه طهران. وأكد المشاركون، وفي مقدمتهم السيد فابيو رامبيلي نائب رئيس البرلمان الإيطالي، والسناتور جوليو تيرتزي رئيس لجنة السياسات الأوروبية في مجلس الشيوخ ووزير الخارجية الأسبق، أن محاولات تغيير سلوك النظام عبر الحوافز الدبلوماسية والاقتصادية لم تؤدِ سوى إلى نتائج عكسية. وتشير التقارير الميدانية المستقلة ومراصد حقوق الإنسان الدولية إلى أن هذه المقاربة أسهمت في توفير هامش مناورة أوسع للسلطة لتشديد القبضة الأمنية، وتصعيد حملات الإعدام التي تجاوزت الألف حالة منذ مطلع عام 2026، فضلاً عن تقويض فرص الاستقرار الإقليمي عبر دعم شبكات الإرهاب وتصدير الحروب.
حسابات البقاء: بين مأزق الحرب والسلام
سلطت الكلمات الرئيسة الضوء على المعضلة الوجودية التي تواجه النظام الكهنوتي الحاكم. فقد قدمت الكلمة المهمة التي ألقتها السيدة مريم رجوي في المؤتمر تحليلاً بالغ الوضوح للأزمة الداخلية العميقة التي يعيشها النظام الإيراني، عارضةً الأسباب الجوهرية لتمسكه الممنهج بسياسة الحرب وتصدير الأزمات. وأوضحت رجوي أن التراجع عن سياسات القمع الداخلي أو التخلي عن برنامج صنع القنبلة النووية يمثل، من منظور مراكز القرار في طهران، تهديداً مباشراً ومخاضاً للسقوط السريع. ووفقاً للتقديرات الاستراتيجية، فإن السلام هو حبل المشنقة للنظام، إذ تستند شرعيته المتبقية إلى المداومة على الأزمات وافتعال التوترات، وانعكس هذا المأزق في التخبطات السياسية حول مذكرات التفاهم الدولية والتصريحات الرسمية التي تؤكد أن أي تراجع استراتيجي سيعرض أركان الدولة لهزات وجودية عميقة لا يمكن احتواؤها.
هشاشة الاقتصاد الداخلي وتنامي المقاومة المنظمة
يتكامل المأزق السياسي للنظام مع سقوط حر للاقتصاد الإيراني، تتخلله مستويات قياسية من التضخم والبطالة والفقر المتفشي. وقد أشارت المداخلات البرلمانية، بمشاركة السناتور ماركو سكوريا وعضوة لجنة الشؤون الخارجية نايكي غريبوني، إلى جانب شخصيات مثل العمدة رودي جولياني والمسؤول الأمريكي السابق باتريك كينيدي إلى أن التوترات المزمنة والانتقال القيادي غير المستقر قد أضعفا قدرة السلطة على احتواء الخلافات البنيوية. وفي المقابل، تبرز وحدات المقاومة والجيل الجديد من الشباب المنتفض في انتفاضة يناير كقوة فاعلة قادرة على تنظيم الصفوف ومواجهة قوات الحرس، مما يعكس نضجاً سياسياً وتنظيمياً يرفض العودة إلى الوراء أو الوقوع في فخ التيارات المنحرفة كفلول الدكتاتورية السابقة (الشاه).
نحو مقاربة أوروبية جديدة: استحقاقات الاعتراف والحل الديمقراطي
ختاماً، طرحت السيدة مريم رجوي في خطابها رؤية واقعية لكيفية التعامل مع هذا النظام ودعم تطلعات الشعب الإيراني، داعية الاتحاد الأوروبي وإيطاليا إلى تجاوز الحسابات الظرفية. ويأتي إقرار الحكومة البريطانية بإدراج قوات حرس النظام الإيراني على قوائم الإرهاب كخطوة مفصلية يجب أن تتبعها قارة أوروبا بأكملها. إن استعادة المصداقية الاستراتيجية لأوروبا في منطقة الشرق الأوسط ترتبط طردياً بالاعتراف بمشروعية نضال الشعب الإيراني وقواه المنظمة. ويمثل بيان الأغلبية في غرفتي البرلمان الإيطالي وثيقة سياسية متقدمة، تؤكد أن دعم الجمهورية الديمقراطية القائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، ليس خياراً قيمياً فحسب، بل هو الشرط الموضوعي الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة والعالم.

التعليقات مغلقة.