يخلد الشعب المغربي، ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم الأحد 5 يوليوز، الذكرى التاسعة والستين لانطلاق أشغال بناء طريق الوحدة، أحد أبرز المشاريع الوطنية التي أطلقت في السنوات الأولى بعد الاستقلال، والتي ارتبطت بمشروع “الجهاد الأكبر” الذي دعا إليه جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، بهدف بناء المغرب المستقل وتعزيز وحدته الترابية.
ويعد طريق الوحدة من أهم الأوراش التي جسدت روح التعبئة الوطنية والتطوع، بعدما وجه الملك الراحل محمد الخامس، يوم 15 يونيو 1957 من مدينة مراكش، نداءً إلى الشباب المغربي للمشاركة في إنجاز طريق يربط بين مدينتي تاونات وكتامة، من أجل فك العزلة عن المناطق الشمالية وتعزيز الترابط بين مختلف جهات المملكة.
وفي خطوة رمزية عكست قيم القدوة والمشاركة، أعلن الملك محمد الخامس خلال المناسبة نفسها تطوع ولي العهد آنذاك، الأمير مولاي الحسن، للمساهمة في هذا الورش الوطني، في رسالة قوية تؤكد أن بناء الوطن مسؤولية مشتركة بين جميع المغاربة.
وجاء إطلاق المشروع في مرحلة كان المغرب يتوفر فيها على شبكة طرقية تقدر بحوالي 20 ألف كيلومتر، غير أن توزيعها لم يكن متوازناً، إذ ظلت عدة مناطق، خاصة في الشمال، تعاني من ضعف البنيات التحتية وصعوبة الولوج، ما جعل إنجاز طريق الوحدة يشكل أولوية استراتيجية لتعزيز الاندماج المجالي وتيسير التنقل.
وامتد الطريق على مسافة 80 كيلومتراً بين تاونات وكتامة، واكتسب اسم “طريق الوحدة” لما يحمله من دلالات وطنية عميقة، سواء من حيث ربط مختلف مناطق المملكة أو من خلال توحيد جهود آلاف الشباب المغاربة الذين قدموا من مختلف الجهات للمساهمة في إنجازه.
وشارك في هذا الورش الوطني نحو 12 ألف شاب متطوع، تم توزيعهم على ثلاثة أفواج خلال صيف سنة 1957، بمعدل أربعة آلاف متطوع في كل شهر، حيث لم يقتصر دورهم على الأشغال الميدانية، بل استفادوا أيضاً من برامج تربوية وتكوينية وتداريب ميدانية وعسكرية هدفت إلى غرس قيم المواطنة والانضباط والعمل الجماعي.
ولضمان نجاح هذا المشروع، تمت تعبئة إمكانات تنظيمية ولوجستية مهمة، شملت إحداث لجان للإشراف على تسجيل المتطوعين وتنظيم المخيمات وتوفير التموين ووسائل النقل، إلى جانب تجهيز فضاءات للإقامة والخدمات الصحية والثقافية والإدارية.
كما شهد المشروع مساهمة عدد من الشخصيات الوطنية البارزة في تأطير الشباب، وفي مقدمتهم المناضل المهدي بنبركة، الذي لعب دوراً مهماً في ترسيخ قيم التضامن وروح المسؤولية والعمل الجماعي لدى المتطوعين.
وتظل الذكرى التاسعة والستون لانطلاق أشغال بناء طريق الوحدة محطة وطنية بارزة لاستحضار واحدة من أنجح تجارب التعبئة الشعبية في تاريخ المغرب المستقل، باعتبارها نموذجاً للوحدة الوطنية والتطوع، وتجسيداً لإرادة المغاربة في المساهمة الجماعية في بناء الدولة الحديثة وترسيخ أسس التنمية والوحدة الترابية.

التعليقات مغلقة.