أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المجتمعات المعاصرة نقاشاً متزايداً حول طبيعة العلاقات الأسرية، وحدود السلطة والمسؤولية داخل المؤسسة الزوجية، ومدى قدرة المنظومة القانونية والاجتماعية على ضمان التوازن بين حقوق الزوجين وواجباتهما. وإذا كان الاهتمام المؤسساتي والحقوقي قد انصب، بصورة متزايدة، على حماية المرأة من مختلف أشكال العنف والتمييز، فإن ثمة جانباً آخر يستحق الدراسة والنقاش، ويتعلق بوضعية الرجل الذي قد يتعرض بدوره للإيذاء النفسي أو الإهانة أو الضغط العاطفي داخل العلاقة الزوجية.
وتطرح هذه المسألة إشكالية سوسيولوجية وحقوقية تتجاوز الصور النمطية المرتبطة بالأدوار التقليدية للرجل والمرأة، وتستدعي إعادة النظر في بعض التصورات الاجتماعية التي تجعل الرجل، بحكم موقعه التقليدي داخل الأسرة، أقل استحقاقاً للاعتراف بمعاناته النفسية أو الإفصاح عنها.
أولاً: العنف النفسي داخل العلاقة الزوجية وإشكالية الاعتراف
لا يقتصر العنف داخل العلاقات الزوجية على الاعتداء الجسدي، بل قد يتخذ صوراً نفسية ومعنوية متعددة، من بينها الإهانة المتكررة، والصراخ المتعمد، والتحقير، والتهديد، والابتزاز العاطفي، والاستفزاز المستمر، ومحاولات إخضاع الطرف الآخر من خلال الضغط النفسي.
وفي هذا السياق، قد يجد بعض الأزواج أنفسهم في علاقات تتسم بالتوتر الدائم، حيث يتحول الحوار اليومي إلى مصدر للصراع، وتصبح الخلافات البسيطة مناسبة لتبادل الاتهامات ورفع الأصوات. وقد يؤدي استمرار هذه الممارسات إلى الانسحاب العاطفي، وتراجع التواصل، والابتعاد عن الحياة الأسرية، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.
غير أن المقاربة العلمية تقتضي التمييز بين الخلاف الزوجي الطبيعي، الذي تفرضه اختلافات الشخصية والآراء والمصالح، وبين السلوك المتكرر الذي يتخذ طابعاً تعسفياً أو مهيناً. فليس كل نقاش حاد عنفاً نفسياً، كما أن إثبات وجود نمط من الإساءة يتطلب النظر في طبيعة السلوك وتكراره وآثاره وسياقه.
ثانياً: الذكورية الاجتماعية والصمت المفروض على الرجل
من أبرز العوائق التي تحول دون الاعتراف بمعاناة بعض الرجال داخل العلاقات الزوجية، استمرار تمثلات اجتماعية تقليدية تربط الرجولة بالقدرة المطلقة على التحمل والسيطرة وعدم إظهار الضعف.
فالرجل الذي يتعرض للإهانة أو الضغط النفسي قد يتردد في الإفصاح عن تجربته، خشية السخرية الاجتماعية أو اتهامه بالعجز عن تدبير شؤونه الأسرية. وقد يختار الصمت أو الانسحاب من المواجهة تفادياً لتصعيد الخلاف، وهو ما يجعل معاناته غير مرئية في كثير من الأحيان.
وتستحق هذه الظاهرة دراسة ميدانية متخصصة، لأن غياب التصريح بالمعاناة لا يعني بالضرورة غيابها، كما أن الأحكام المسبقة بشأن قدرة الرجل على تحمل الأذى قد تعيق بناء آليات متوازنة للإنصات والتدخل والمواكبة.
ثالثاً: رفع الصوت والاستفزاز وانعكاساتهما على الاستقرار الأسري
إن التواصل داخل المؤسسة الزوجية يشكل أحد المحددات الأساسية لاستقرارها. وعندما يصبح الصراخ والإهانة أسلوباً متكرراً في معالجة الخلافات، تتراجع فرص التفاهم، ويحل التوتر محل الحوار البناء.
وقد يؤدي هذا النمط من التفاعل إلى اعتماد أحد الزوجين استراتيجية الانسحاب النفسي أو الاجتماعي، حيث يفضل تجنب النقاشات والمواجهات تفادياً لتكرار الأزمات. ولا ينبغي تفسير هذا السلوك بصورة آلية باعتباره ضعفاً في الشخصية أو تقصيراً في المسؤولية، بل يتعين فهمه في سياقه النفسي والعلاقي.
وفي المقابل، لا يمكن اتخاذ مفهوم الكرامة أو الرجولة ذريعة لتبرير العنف أو التهديد أو الانتقام. فالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تظل قائمة على الطرفين، مهما بلغت حدة الخلاف.
رابعاً: نحو مقاربة حقوقية متوازنة لحماية الزوجين
إن تطوير السياسات الاجتماعية المرتبطة بالأسرة يقتضي تجاوز المقاربة القائمة على التصنيف المسبق للضحية والمعتدي وفق الجنس، واعتماد مقاربة تستند إلى طبيعة الفعل وآثاره والأدلة المتاحة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تعزيز خدمات الاستماع والمواكبة النفسية والاجتماعية للرجال والنساء على حد سواء، وتطوير آليات الوساطة الأسرية، ونشر ثقافة التواصل المسؤول، مع ضمان الولوج المتكافئ إلى الحماية القانونية عند التعرض للعنف أو التهديد أو الإيذاء.
كما أن المؤسسات المعنية بالأسرة والهيئات الحقوقية والباحثين في علم الاجتماع والقانون مدعوون إلى الاهتمام بهذه الظاهرة من خلال دراسات ميدانية وإحصائيات موثوقة، تسمح بتحديد حجمها وأشكالها والعوامل المرتبطة بها، بعيداً عن التعميمات والانطباعات الشخصية.
خامساً: من يحمي الرجل من التعسف داخل الحياة الزوجية؟
يشكل هذا السؤال مدخلاً أساسياً لإعادة فتح النقاش حول مفهوم الحماية داخل الأسرة. فإذا كانت حماية المرأة من العنف ضرورة حقوقية ومجتمعية لا تقبل المساومة، فإن الاعتراف بإمكانية تعرض الرجل بدوره للإيذاء النفسي أو المعنوي ينبغي أن يحظى بالاهتمام نفسه من حيث البحث والتشخيص والإنصاف.
ولا يعني ذلك وضع حقوق الرجل والمرأة في مواجهة بعضها البعض، بل يؤسس لفهم أكثر شمولاً للعدالة الأسرية، قوامه أن الحقوق لا تتجزأ، وأن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بالجنس أو الموقع الاجتماعي داخل الأسرة
إن التحولات التي تعرفها الأسرة المعاصرة تفرض الانتقال من التصورات التقليدية للعلاقة الزوجية إلى نموذج قائم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة والاحترام المتكافئ. ولا يمكن تحقيق الاستقرار الأسري من خلال حماية طرف وإغفال معاناة الطرف الآخر، أو من خلال اختزال الرجولة في الصمت والتحمل، والأنوثة في المطالبة بالحقوق دون مراعاة الواجبات.
إن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء ثقافة أسرية تعترف بحق الرجل والمرأة معاً في الحماية من العنف النفسي والجسدي، وتضمن لكل منهما حق العيش في بيئة زوجية تحفظ الكرامة والاستقرار.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يكون موضوعاً لنقاش أكاديمي وحقوقي أوسع: هل استطاع الوعي الحقوقي المعاصر أن يتجاوز الصور النمطية للجنسين، أم أننا ما زلنا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الضحية والحماية والإنصاف داخل المؤسسة الزوجية؟
التعليقات مغلقة.