بخطوات ثابتة وواثقة نحو قلب موازين القوى، ليس من خلال منافسة رقمية ظرفية، ولكن عبر تحول استراتيجي عميق يجد تجلياته في رفوف السوبر ماركت الألمانية. فبعدما ظلت إسبانيا مهيمنة بأكثر من 76% على سوق الماندرين والكليمونتين في ألمانيا، تبرز معطيات الموسم الفلاحي 2024/2025 صورة مشرقة لمنافس قادم من الجنوب، يحمل في ثناياه فلسفة جديدة للتصدير.
فقد سجلت الصادرات المغربية من هاتين الثمرتين إلى السوق الألمانية ارتفاعًا قياسيًا غير مسبوق، لتبلغ 8.200 طن بقيمة تناهز 12.1 مليون دولار، متجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق الذي سُجل قبل عامين. هذا الرقم ليس مجرد مؤشر كمي عابر، بل هو تعبير عن نضج في الأداء اللوجستي والتخطيطي. فاللافت أن الصادرات المغربية حافظت على وجودها ونشاطها حتى في أشهر أبريل ومايو، وهي الفترة التي تشهد تراجعًا تقليديًا في التدفقات بعد نهاية الموسم الأوروبي الرئيسي، مما يكشف عن تقدم ملحوظ في سلاسل التبريد والتخزين وإدارة المواسم.
هذا التقدم المطرد من جانب المغرب يقابله تراجع تدريجي في حصة المصدر التقليدي الأكبر، إسبانيا، مما يفتح الباب أمام إعادة توزيع للحصص في واحدة من أهم الأسواق الأوروبية استهلاكًا وصرامة في المعايير. وقد تجسد هذا التحول في قفزة حصة المغرب من إجمالي واردات ألمانيا إلى 2.5%، مقارنة بـ 1.3% فقط في الموسم السابق، ليتجاوز بذلك دولًا مثل اليونان وتركيا، ويصبح رابع أكبر مورد لألمانيا، متقدمًا على لاعبين كبار، ومتتبعًا مباشرةً جنوب إفريقيا (11%) وإيطاليا (4%).
القراءة المتعمقة لهذا النجاح تؤكد أنه ليس محض صدفة أو نتيجة موسم فلاحي جيد. فهو يعكس تحولًا بنيويًا في السياسة الفلاحية والتصديرية للمملكة. لا ينظر القائمون على القطاع إلى المعادلة بمنطق “تجاوز إسبانيا” كهدف نهائي، بل كجزء من استراتيجية أوسع وأعمق. الاستراتيجية التي تتبلور تحت مظلة مخطط “الجيل الأخضر” الوطني، والتي تعيد توجيه الاستثمارات نحو سلاسل القيمة المضافة، وتربط الإنتاج بالتصدير “الذكي”، القائم على الجودة والاستدامة وملاءمة المعايير الأوروبية المشددة، بدل الاعتماد على منطق الكم وحده.
المنافسة الحقيقية اليوم، كما تدرك الفلاحة المغربية، لم تعد في حجم الشحنة فقط، بل في القدرة على ضمان الاستمرارية، وتعزيز الثقة مع المستوردين والمستهلكين عبر الالتزام الصارم بالشروط الصحية والبيئية، وتقديم منتج ذي جودة عالية ومستقرة.
ما تحققه الصادرات المغربية اليوم في السوق الألمانية لا يمثل سقف الطموح، بل هو مرحلة انتقالية تؤسس لمرحلة جديدة. مرحلة تعلن دخول الفلاحة المغربية فعليًا إلى نادي الموقعين الاستراتيجيين داخل الأسواق الأوروبية التنافسية. إنها رحلة منافسة قائمة على أسس متينة من التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في البنية التحتية والتقنيات، والرغبة في الانتقال من دور المورد العابر إلى دور الشريك الموثوق.

التعليقات مغلقة.